اهم الاخبارمقالات

بعد بوتفليقة والبشير: هل سنعرف «الرأس الكبير»؟

مع إنهم كانوا يعلمون بأن العثور على شجرتين معزولتين لم يكن دليلا قاطعا على أن الوصول إلى قلب الغابة قد بات محسوما، فإن بعض الجزائريين والسودانيين حاولوا الاقتناع بصواب العكس، والتصديق بأن العلة وحدها كانت تمكن في جشع آل بوتفليقة والبشير، وكل الوصوليين والمتسلقين ورجال المال المشبوهين، الذين كانوا على صلة بهم من دون أن يسبروا الأعماق جيدا، ليروا من كان يقف خلفهم ومن كان السبب المباشر في بقائهم في مواقعهم طوال سنوات، وفي اقترافهم لكل تلك التجاوزات. ورغم أن لا أحد قال عن الذين باتوا يوصفون الان في الجزائر بالعصابة، بأنهم كانوا ملائكة ابرارا، أو أنهم كانوا أنقياء الصفحة وأبرياء تماما من بعض، أو حتى كل ما نسب لهم فإن وضعهم وحدهم في قفص الاتهام لن يعجل بالحل، بل لعله سيبدو كطوق انقاذ مثالي يرمى به البعض عن حسن نية، لمن يمكن أن يطلق عليه بـ»الرأس الكبير» للأخطبوط الذي مد أذرعه على كامل مفاصل الحياة، حتى يبتعد نهائيا عن أي شبهة ويكون بمنأى عن كل مساءلة قد تطاله يوما.
فحتى لو قدمت بعض تلك الوجوه للمحاكمات، فلا أمل يرجى من أن تخرج الحقيقة من أفواهها، وتقدم في لحظة انهيار أو يأس عن الكشف عن اسم ذلك الحوت الكبير الذي ارتزقت مما كان يرميه لها من أقوات الشعب. ولعله سيكون من السذاجة أيضا أن نتوقع أن تحصل معجزة ويدلنا أحد من المعنيين المباشرين بالقصة، أي الرئيس المستقيل في الجزائر والمعزول في السودان عنه، أو يلمح له ولو ببعض الإشارات البعيدة. فلن يكون بوسعهما لاعتبارات مفهومة على الاقل في حال بوتفليقة، أن يقطعا صمتهما الثقيل ويواجها كل ما طالهما من اتهامات بالفساد، واستغلال النفوذ بالشجاعة والصراحة المطلوبتين.
ولعله كان واضحا خلال العشرين عاما التي استغرقها حكم الاول والثلاثين عاما التي دامت فيها سلطة الثاني، أنه لم يخطر ببال أي واحد منهما أن يستعد لتلك الساعة فيجهز باكرا كشف حساب دقيق وموثوق، يثبت ما له وما عليه. ولم يكن ذلك بدعة أو خروجا عن العرف السائد في عالم عربي، تعود على تقديس الحكام وتجنيبهم كل مساءلة ومحاسبة. ولكن هل كان الرجلان والمحيطون بهما هم وحدهم من بددوا ثروة الجزائر والسودان ونهبها؟ أم أن هناك ايضا طرفا اخر لم تطله الاتهامات إلى الآن، قد يكون متورطا أكثر منهم، ولا يزال مستمرا في النشاط من وراء الستار، ولن يفرق معه أو يهمه أو يثنيه عن الاستمرار في اقتراف سرقاته وجرائمه، ما سيلحق آل بوتفليقة وآل البشير من متابعات قضائية، إن كتب لها أن تحصل في المستقبل؟ لقد ظل اللغز المحير في دول اخرى قبل السودان والجزائر على مدى أكثر من ثماني سنوات، البحث عن ذلك الطرف المجهول في المعادلة. وكان السؤال المعلق فعلا هو، أين ذابت واختفت كل تلك المبالغ والثروات الضخمة، وربما الخرافية، التي نهبها القادة العرب الذين أجبروا على ترك السلطة في اعقاب الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت بلدانهم؟ ولماذا عجزت شعوبهم حتى الآن، لا عن استعادة القسط الاكبر منها فحسب، بل حتى عن معرفة حجمها ومقدارها ولو بشكل تقديري أقرب ما يكون إلى الواقع؟
لقد بدأ الامر مع الرئيس التونسي المخلوع بن علي، فبعد نحو شهر واحد من فراره بجلده إلى جدة، أظهر التلفزيون الرسمي صورا من داخل قصر «سيدي الظريف» لأعضاء في لجنة تقصي الحقائق في مسائل الرشوة والفساد، وهم يعرضون ما وصفه مقدم نشرة الاخبار بـ»العجب العجاب» وهو ملايين الأوراق النقدية بالعملات المحلية والأجنبية مع تشكيلة من الأساور والقلادات والمجوهرات الثمينة، التي كانت موجودة وراء ما كان يبدو مجموعة من الكتب والمجلدات المصفوفة بعناية في بعض المكتبات. ولكن ما أن أفاق التونسيون من الأحلام التي راودتهم حينها، حتى وجدوا أن الأمر لم يكن بالسهولة التي توقعوها، وأن هناك قوى كثيرة كانت تدفعهم بمرور الوقت لأن يقتنعوا أنه من العبث أن يطاردوا شبحا يحتمي في الاراضي المقدسة بخادم الحرمين وأنه لم يعد هناك طائل من ملاحقة السراب واقتفاء أثر المسروقات، لا في الداخل ولا في الخارج. لقد صودرت كل ممتلكات الرئيس المخلوع وأفراد عائلته واقاربه المعروفة، ثم رفعت ضدهم بعض القضايا، ولم يعد أحد يهتم بعدها بمعرفة مآل ملف، لم تتحمس السلطات لفتحه بالعمق المطلوب والمضي فيه للحد الأقصى، لاعتبارات عديدة، لعل واحدا منها، أنها قدرت أن ذلك كان ضروريا للحفاظ على السلم الأهلي، وتجنيب البلاد حمامات الدم التي حصلت في مناطق غير بعيدة عن تونس.

يبقى التحدي مفتوحا أمام السودانيين والجزائريين للكشف عن رأس الحية وقطعه، وبذلك سيقدمون خدمة لأوطانهم وباقي الشعوب العربية أيضا

وربما لم يعرض مشهد المضبوطات بالقصور والإقامات الرئاسية بالشكل نفسه، في مصر وليبيا واليمن بعد الإطاحة بمبارك والقذافي وصالح. ولكن كم سمع الليبيون من قصص عن الثروة الخيالية التي جمعها العقيد الراحل، خلال سنوات حكمه، التي جاوزت الأربعين عاما، وكم سمع المصريون واليمنيون بدورهم من قصص شبيهة، بما نهبه مبارك وصالح خلال العقود التي كانا فيها على رأس السلطة من دون أن يعرفوا إلى الان شيئا عن مصيرها أو يحصلوا ولو على نصيب معقول منها. لقد انتهى بهم الامر إلى الوقوع مجددا فريسة لليأس والإحباط، وأدركوا في وقت متأخر بعض الشيء، أن هناك من كان يريد دفعهم للدوران في حلقة مفرغة، وأن القضية كانت أكبر من بن علي ومبارك والقذافي. فلم يكن مجرد اختفاء هؤلاء وابتعادهم عن مواقعهم كافيا لأن يعرف الناس كيف جاؤوا، ومن لفظهم وقرر استبدالهم؟ ومن هو الذي لا يزال إلى الان يدير اللعبة ويتحكم في ثرواتهم، ويمسك بسلطة التقرير في مصائرهم؟
إن كل حصل في تونس ومصر واليمن وليبيا هو أن جزءا من تلك العصابات المحلية، قد اضطر للدخول في عمليات تصفية حساب مع جزء آخر منها، ولكن الرأس الكبير بقي سالما معافى وقادرا على التحرك بسرعة، وكتم كل صوت قد يجرؤ على فضحه. وربما نسي البعض ما جرى مثلا قبل سبع سنوات لوزير النفط الليبي السابق، فقد عثر على جثة شكري غانم، الذي عمل سنوات طويلة مع العقيد الراحل مرمية في نهر الدانوب، وقال المتحدث باسم الشرطة النمساوية حينها، إن الاخير «يمكن أن تكون ألمت به وعكة صحية وسقط في الماء»، ولعل هناك من نسي أيضا كيف اختفت وجوه معروفة في تونس بعد هروب بن علي، وقيل إنها ماتت بالسكتة القلبية، ولكن ذلك لن يعني أبدا أن باب الأمل قد أوصد في وجوه الجزائريين والسودانيين، فالتحدي يبقى مفتوحا أمامهم للكشف عن رأس الحية وقطعه. ومتى نجحوا في ذلك فسيقدمون خدمة جليلة لا لاوطانهم فحسب، بل لباقي الشعوب العربية التي ظنت أن اقتلاع بعض الاشجار يكفي لتطهير الغابة أيضا.

نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: