اهم الاخبارمقالات

ديمقراطية تونس: هل تقبل جارها الليبي والجزائري شريكا؟

ربما كان العادي والطبيعي أن يحصل العكس، فبدلا من أن تثير الجزائر الجديدة غيرتهم وحيرتهم، كانت تقوي آمالهم وطموحاتهم. ولكن ما الذي بقي عاديا وطبيعيا عند هؤلاء الذين يرفعون اليوم زورا وبهتانا شعار الديمقراطية العربية؟ فإذا كان معلوما أن الطيور عادة ما تقع على أشكالها، فليس مؤكدا بعد، أن الامر نفسه يمكن أن يصح على الديمقراطيات العربية الحديثة، أو تلك التي قد يشملها ذلك التوصيف، فيكون كافيا ساعتها تشابه التجارب في ظروف النشأة والتأسيس، لأن يقودها للتوافق والتضامن، وربما حتى التحالف الوثيق في مرحلة أخيرة.
والمثل الاخير يأتينا الآن من تونس، فإذا كان العالم قد وصفها قبل سنوات ببلد الاستثناء الديمقراطي الإقليمي، وأقر لها الجميع بأنها بقيت، وكما يحلو للكثيرين أن يقولوا، شمعة وحيدة تضيء ليل الربيع العربي المظلم، فإن ذلك لم يكن ليعني بالضرورة أن من تقدمهم منابر الإعلام على أنهم ديمقراطيون كانوا سيسعدون وسينظرون بعين الرضا وهم يرون واحدة من جارتهم، وقد شقت ولو بتأخر نسبي عنهم الطريق نفسه، ووضعت بدورها قدما على درب الديمقراطية والحرية.
إن ذلك الوضع الذي يبدو للبعض ملتبسا وبعيدا عن أي منطق، قد يجد تفسيره في أن الديمقراطية، بنظر تلك النخب الهجينة، التي قد تكون تعاني من نوع نادر من البارانويا، يجعلها لا تقبل مطلقا أن يشاركها أو يقاسمها المحيطون بها ما تراه فردوسها ونعيمها المقيم، لن تستطيع أن تحيا إلا بوجود مستبدين بجوارها، وإنها ربما لن تقدر على النمو متى أحاط بها جيران ديمقراطيون. ولا يفوت المنظرون لتلك الخرافة فرصة للزعم بأن لا شيء أكثر من الأمن يمكن أن يربط، أو ان يفرق على العكس الجار عن جاره. ولعلهم يضربون هنا مثلا بالعشرية السوداء في الجزائر، ويتساءلون بمكر عما إذا كان وجود نظام ديمقراطي في تلك الفترة في تونس سيكون مفيدا في التعاون الأمني بين البلدين؟ أم انه كان على العكس، وكما يتوهمون، كان سيكون ضعيفا ومحدودا وسيعود بالوبال على أمنهما واستقرارهما معا؟ ثم لعلهم يضيفون إلى ذلك أيضا تساؤلا آخر، فيما اذا كان بلد مثل تونس كان سيستطيع الوصول لما وصله الآن في مسار انتقاله الديمقراطي، لو أن الجزائر كانت بلدا ديمقراطيا وحرا؟ مع أنه ليس ممكنا لمن لم يختبر الديمقراطية، ولم يجرب في السابق غير الركون للاستبداد والدوران في فلكه، أن يقدم دليلا واحدا على أن الديكتاتورية في الجزائر كانت مفيدة لتونس والعكس بالعكس، فانه ليس باستطاعة أحد ايضا أن يقدم أي إثبات على أن الديمقراطية الجزائرية يمكن أن تشكل خطرا على تونس، مثلما لم يقدم أحد في السابق أي إثبات على أن تجربة تونس كانت تمثل خطرا آو تهديدا للجزائر.

في الوقت الذي تعيد فيه قوى الثورة المضادة تجميع قواها وتمتين تحالفاتها، فإن القوى الثورية ما زالت مشتتة وأسيرة لأوهام قديمة

ويبدو واضحا أن الأحكام والحسابات والمصالح والتحالفات الإقليمية المشبوهة، التي تحرك ذلك الصنف الغريب من الديمقراطيين، وتحدد بوصلته، وتجعله يتنكر بسهولة لأبسط قواعدها، هي التي تسمح له بالمقابل بأن يهب هاتفا بحياة المستبدين، ويقدمهم كأبطال وطنيين يدافعون عما يسمى الأمن القومي لبلدانهم، لكن كيف يجيز هؤلاء لغيرهم ما لا يرضونه في الظاهر على الأقل لأنفسهم؟ وهل لأجل الحفاظ على الديمقراطية التونسية وصونها من كل تهديد لن يكون هناك مفر من الاستنجاد بمن يعادونها، وإبقاء قدر من الاستبداد في جوارها، إما تحت رعاية المشير حفتر أو ربما سيف الاسلام في ليبيا، أو تحت القيادة المستمرة للجيش للمرحلة المقبلة فيما يخص بالجزائر؟ ألا يتصادم الانحياز للعسكرة التي يصفقون لها في الخارج بقوة، مع مدنية الدولة التي يتشدقون بالدفاع عنها بشدة في الداخل؟ لعل ذلك اصل البلاء ومفتاح المفارقة التونسية. وربما كان واحدا من معالم ذلك السقوط الأخلاقي، ما حصل قبل أيام في عز غارة المشير الليبي على العاصمة طرابلس، فقد جاء الرد التونسي على تلك الهجمة جافا وباردا، واكتفى البيان الرسمي بالإعراب عن القلق العميق من التطورات في ليبيا، ودعوة «جميع الأطراف إلى التحلي بأعلى درجات ضبط النفس»، وكأنه لم يكن هناك عدوان من طرف على طرف آخر، أو معتد ومعتدى عليه، وكأنه ايضا لم يوجد فرق بين نظام شرعي وآخر انقلابي وغير معترف به، ولو أن التدارك جاء متأخرا الاثنين الماضي، على ضوء مجريات المعارك ببيان لاحق دعت فيه إلى «الوقف الفوري للاقتتال وحقن الدماء الليبية».
أما الادهى من ذلك فهو موقف أمين عام أحد الاحزاب الحداثية والديمقراطية، فقد كتب محسن مرزوق أمين عام حزب المشروع على صفحته على فيسبوك يقول «إننا نعتقد أن مصلحتنا في تونس وشمال إفريقيا، تتقاطع مع جهود الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر في مكافحة الإرهاب والتطرف وفوضى السلاح، وهي الآفات التي نحاربها في تونس». ما يدل بوضوح على أن الوجه الاخر لعملة الاستبداد، التي تلقى رواجا غير محدود في الاقليم، هو ادعاء مكافحة الإرهاب التي لا يعني شيئا اخر بنظر البعض، سوى اطلاق يد العسكر لوضع الديمقراطية تحت الجزمة. ألم يبارك هؤلاء من قبل انقلاب السيسي، ويصمتوا صمت القبور على انتهاكاته وتجاوزاته وخروقاته المستمرة لادنى الحقوق الآدمية؟ أليست مواقفهم تلك دليلا قاطعا على أن المستبدين العرب ملة واحدة مهما اختلفت اسماؤهم أو بلدانهم أو أزمانهم؟ ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو، اين اختفى الديمقراطيون التونسيون الحقيقيون؟ ولماذا يقفون موقف المتفرج على مذبحة الديمقراطية في ليبيا؟ ويستمرون فقط في متابعة مآلات الحراك الجزائري، وكأن الامر يتعلق بمباراة كرة قدم، لن يهمهم كثيرا إن كان الفائز فيها جنرالا جديدا أو اسما اخر من الحرس القديم؟ إن المشكل الحقيقي، أنه في الوقت الذي تعيد فيه قوى الثورة المضادة تجميع قواها وتوحيد صفوفها وتمتين تحالفاتها المكشوفة مع اطراف خارجية معروفة، وعلى رأسها الامارات فان القوى الثورية التي يهمها مستقبل الديمقراطية مازالت مشتتة الصفوف ومنطوية على نفسها وأسيرة لاوهام قديمة تخص موقع الاسلاميين ودورهم، وما يتصوره البعض عن طموحاتهم في التفرد بالسلطة. والغريب أن هؤلاء الديمقراطيين لا يسألون انفسهم عما سيكون عليه حال تونس إن امكن لشخص كالمشير الليبي أو من على شاكلته أن يفرض ارادته على الليبيين بقوة السلاح؟ وكيف سيكون مصيرها ايضا إن فشلت، لا سمح الله، تجربة الجزائر وتمخضت بالاخير عن حمل كاذب؟ هل سيكتفي الماسكون بالسلطة في البلدين حينها بغض الطرف عن ديمقراطية تونس، والتعايش السلمي معها؟ أم أن معركتهم الفاصلة والكبيرة ستكون في قرطاج؟ إن ما ينبغي التنبه السريع له هو ان لامناص لهم من نسج شراكة ديمقراطية واسعة، تكون جبهة قوية لوقف المشروع المضاد. ومادامت الطيور على أشكالها تقع والمستبدون على امثالهم يلتقون فلابد لهم ايضا من أن يكونوا يدا واحدة قبل أن تقع الفأس في الرأس.

نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: