اهم الاخبارمقالات

إلى أين تتجه ليبيا؟

لا يزال هذا السؤال يتردد بقوة بين الحين والآخر لدى جل الليبيين، وذلك عندما تعصُّف بليبيا أحداث ومواقف متشابكة، ومعقدة، مما يجعل هذا التساؤل بحاجة لمزيد من البحث والكشف، نتيجة لوجود حالات من الغموض، والعتمة المضروبة حوله، مما يطغى على هذا السيل من التساؤل أن ثمة تشاؤمًا واضحًا بين جل الليبيين، وسأحاول في هذه المقالة – قدر ما تسمح به المعلومات – من كشف ذلك الغموض واخترق تلك العتمة الصامتة؛ بموضوعية ودون تحيز؛ بغية فهم طبيعة الوضع الحالي في ظل العملية العسكرية الجارية حاليًا، فمع بداية شهر أبريل 2019م ، بدأت قوات عسكرية تابعة للحكومة المؤقتة بالتوجه نحو المنطقة الغربية، والتي تتبع حكومة الوفاق؛ وذلك ضمن خطة تهدف حسب ما جاء في بيان تلك القوات إلى ” تطهير ما تبقى من الجماعات الإرهابية الموجودة في آخر أوكارها بالمنطقة الغربية “
وسأكتفى في هذا السياق بالتنويه لإبراز المحطات التاريخية التي سبقت الفعل العسكري؛ وهنا لستُ بصدد تبرير الفعل العسكري– أنما الهدف هو كشف، وتشخيص، وتحديد أبعاد هذا الفعل العسكري:
في 26 فبراير 2019م ، قام كل من السيد رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، والسيد المشير خليفة حفتر بعقد اجتماع تحاوري في أبوظبي، يقال أنه تمخض عن اتفاق؛ لا تزال بنوده حبيسة جدران قاعة ذلك الاجتماع!، حيث طالبت بعض القوى الوطنية – وخاصة في طرابلس من السيد فائز السراج البوح بتفاصيل ذلك الاتفاق، لكنه اكتفى يوم 5 مارس 2019م ، في لقاء مع عمداء بلديات المنطقة الغربية على أنه ” لا بديل عن مدنية الدولة”
في 5 مارس 2019م ، صدر بيان عن مكتب الاعلام التابع للقوات المسلحة التابعة للحكومة المؤقتة، بشأن الانتهاء من “تعزيزات عسكرية ضخمة من مختلف أنواع الأسلحة والذخائر والآليات التي على متنها مقاتلينا الأشاوس من أبناء القوات المسلحة العربية الليبية باتجاه المكان المعلوم والمحدد مسبقا من قبل من قيادة الجيش”.
في 10 مارس 2019م، رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج يقوم زيارة لدولة قطر ويجرى محادثات مع أميرها، حيث جاءت هذه الزيارة بعد اجتماع أبوظبي، حيث أعلن آنذاك بأن السيد السراج يريد إعلام الدوحة بنتائج اجتماع أبوظبي.
في 18 مارس رئيس المجلس الرئاسي يلتقي وزير الخارجية الفرنسي في طرابلس.
في 19 مارس المشير خليفة حفتر يستقبل وزير الخارجية الفرنسي .
في 19 مارس رئيس المجلس الرئاسي يجتمع مع قائد ” أفريكوم ” وسفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى ليبيا
في 20 مارس 2019م اعتماد الترتيبات المالية لسنة 2019م لحكومة الوفاق؛ التي بلغت قيمتها الإجمالية 46.8 مليار دينار، في حين لا تزال الحكومة المؤقتة في المنطقة الشرقية تعتمد في تسيير ميزانيتها على عملية الاقراض من المصارف الوطنية؛ مما أدي إلى زيادة مديونية تلك الحكومة، وهذا يعني أيضًا تهديد المصارف الوطنية بالإفلاس.
في 27 مارس 2019م، السيد المشير خليفة حفتر يقوم بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، بناء على دعوة من ملك المملكة العربية السعودية ، حيث قيل آنذاك بأن الملف الليبي ربما أصبح بيد المملكة السعودية، وهنا نود توضيح نقطة وهي : أن المملكة العربية السعودية كانت مبتعدة عن الملف الليبي منذ الحراك المجتمعي 2011م، بالرغم من الدعوات الليبية الحثيثة الموجهة إلى خادم الحرمين؛ ملك المملكة العربية السعودية، بالحاجة إلى التدخل السعودي في الملف الليبي، وخاصة فيما يتعلق بمسألة المصالحة الوطنية، وعمومًا فأن اجتماع المشير خليفة حفتر مع ملك السعودية، ومن ثم اجتماعه مع ولي العهد ووزير الدفاع؛ لا تزال بحاجة إلى وقفة لمعرفة حيثيات الدور السعودي في المسألة الليبية.
مع نهاية شهر مارس 2019م إدارة الحكومة الأمريكية تعلن عن تعيين سفير جديد لها في ليبيا، بالرغم من عدم انتهاء مدة السفير السابق، وهذا يعني ربما عزم إدارة ترامب تنفيذ سياسات جديدة في ليبيا من خلال هذا التعيين الجديد .
في 30 مارس 2019م، السيد المشير خليفة حفتر يعلن خلال الملتقى الأول لمستقبل شباب ليبيا – الذي عقد في مدينة بنغازي- عن” أن ليبيا ستشهد خلال الأسبوعين المقبلين انفراجة للأزمة الراهنة التي تعصف بالبلاد عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية تنهي الانقسام الحاصل حاليا بين مؤسسات الدولة”
في 3 أبريل 2019م، قيام قوات عسكرية تابعة لحكومة المؤقتة بالسيطرة على عدد من المدن والقرى في المنطقة الغربية.
وتأسيسًا على ما تقدم فإننا نخلص إلى أن فهم الكثير من المسائل المرتبطة بأي حدث أو موقف أو فعل يحدث في ليبيا لا يمكن فهمها بمعزل عن مصالح والحسابات الدولية، والتي لا تعير أيّ اهتمام للمصالح وطنية.
وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال، وهو : لماذا هذا التحرك العسكري الآن؟ وهل هناك رضا أو موافقة دولية على التحرك العسكري نحو العاصمة؟
بادئ ذي بدء ينبغي أن نعلم أن القوى الدولية، والإقليمية الفاعلة لن تسمح بتحرك أيّ قوى عسكرية داخل ليبيا دون حدوث تنسيق، أو تواصل، أو موافقة منها؛ حيث يُعد ذلك بلا شك شرطًا ضروريًا لاتساع نطاقها الجغرافي والعسكري.
كما أننا إذا أمعنا النظر في ملامح الصورة الراهنة لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراح فسوف تتكشف لنا سريعًا إجابات السؤال المطروح آنفا، وهي :
لا تزال حكومة السيد فائز السراج تفتقر إلى وجود قوة عسكرية منظمة حقيقة على تضاريس الأرض، حيث لا تزال تعتمد على بعض الجماعات المسلحة الموجودة بطرابلس ومحيطها، في حين لم تسطيع هذه الحكومة بناء مؤسسة عسكرية وشرطية يمكن الاعتماد عليها في خلق الوسائل الكفيلة لعمليات ضبط الأمن وفرض قوة مؤسسات الدولة.
وللمزيد من الإيضاح والتبسيط فإن حكومة السيد فائز السراج لا تزال مرهونة بقاعدة جماعات المسلحة فقط ، والتي باتت تحمي بقاءها واستمراها في السلطة.
زيادة الدعوات والمطالبات الدولية إلى حكومة السيد فائز السراج بالضرورة اتخاذ الخطوات اللازمة بشأن موضوع الهجرة غير الشرعية، والإسراع بضم الجماعات المسلحة ضمن المؤسسة العسكرية أو الشرطية، ووضع آليات واضحة ومحددة لمحاربة الفساد.
والآن لنحاول الاقتراب من أهم المسارات فيما يخص بالقوات العسكرية التابعة للحكومة المؤقتة لمحاولة كشف ملامح إجابات السؤال المطروح، والمسارات هي :
قيام عدد من قبائل المنطقة الغربية بالتوجه إلى مقر القوات العسكرية في المنطقة الشرقية – وبالتحديد إلى مقر تلك القوات بمنطقة الرجمة- وذلك ” لدعم للقوات المسلحة في حربها على الإرهاب، والمطالبة بلجم الفوضى الموجودة في المنطقة الغربية”، نذكر منها على سبيل المثال: القبائل ترهونة، والصيعان، والنوائل، والمقارحة، وككله ، ورشفانة.
قيام القوات العسكرية في المنطقة الشرقية بتحقيق إنجاز حقيقي من خلال تدخلها في المنطقة الجنوبية، فاستطاعت توفير بيئة آمنة ولجم الفوضى، والقضاء على الجماعات المسلحة العابرة للحدود، كما استطاعت فرض هيمنتها على الأراضي الليبية، وتأمين الحدود الجنوبية، بالتنسيق مع دول الجوار مثل : تشاد، والنيجر، حيث تمت الإشادة بهذا الفعل من قبل كل الدول والمنظمات الإقليمية، والدولية الفاعلة في ليبيا.
إن المتمعن في خطوط عبور وانطلاق القوات العسكرية للحكومة المؤقتة من الجنوب عبر مدن الجفرة مرورًا بمنطقة الشويرف، ومزدة، ووصولًا إلى مدينة غريان، ومدينة العزيزية، يبين بلا شك بأن تلك القوات تحصلت على ضمانات قوية، ومساندة ودعم قبلي ومناطقي قوى من عدد كبير من القبائل والمناطق الليبية؛ الجنوبية، والغربية، وهذه الجزئية الأخيرة غاية في الأهمية- فالتاريخ يقول لنا أن جل القبائل الليبية تناصر وتدعم الطرف الأقوى وليس الأضعف-، ومن ناحية أخرى يوضح أيضًا بأن هذه القوات على علم ودراية بأن الدخول إلى طرابلس تاريخيًا، لا يتم إلا من خلال بوابة الجبل الغربي، وهذه حقيقة أكدتها جل الأحداث التاريخية سابقًا.
بالتالي فأننا نكاد نُجزم بأن جل الدول الإقليمية، والدولية الفاعلة كانت على علم ودراية مسبقة بدخول قوات العسكرية التابعة للحكومة المؤقتة إلى طرابلس، وربما كان هناك تنسيق دولي لدخولها إلى طرابلس، وهذا ما يفسر انزعاج وزير الداخلية لحكومة السيد فائز السراج من ردود الفعل الدولي إزاء التدخل العسكري الحاصل في المنطقة الغربية حيث ذكر بأن” المجتمع الدولي خذلنا ولن نثق فيه مجدداً”، ما أصدق هذه الكلمات!، لكنها أصبحت للأسف تقال مع كل حدث أو موقف أو أزمة تمر بها ليبيا منذ سقوط النظام السياسي السابق، حيث لا يسمح المجال لمناقشة جميع عناصرها وأبعادها، لكنني سأكتفي بالقول بأنها بحاجة إلى وقفة للتدبر من قبل كل الليبيين!
ومهما يكن من أمر، فإن الأيام المقبلة ربما ستُبين بشكل أوضح إجابات : إلى أين تتجه ليبيا ؟ كما لا يجوز أن ننسى بعدًا هامًا وهو وجود رغبة إقليمية، ودولية حثيثة بضرورة لجم فوضى انتشار السلاح في ليبيا؛ وذلك خوفًا من استمرار تداعيات ذلك الانتشار على دول الجوار، وبشكل خاص على الأحداث الحاصلة في الجزائر، أو السودان، وهو التحدي الكبير – الذي تراه تلك القوى – والذي ربما يهدد سلمية الاحتجاجات، ويحولها إلى احتجاجات مسلحة، مما يُشجع على نمو أو تأسيس جماعات مسلحة ذات أبعاد دينية متطرفة ، وأخيرًا فإنه بالرغم من قتامة المشهد في ليبيا؛ فإن استمرار المطالبات المحلية والدولية بالحاجة إلى لجم فوضى انتشار السلاح، وإنهاء حالات الانقسام لمؤسسات الدولة، ربما تدفع الأطراف الدولية إلى الضغط على أطراف الصراع الليبي من أجل الإسراع في تنفيذ اتفاقات موقعة بين تلك الأطراف، لعل آخرها اتفاق ابوظبي، بالتالي أعتقد بأن اقتراب هذه القوات أو دخولها إلى طرابلس؛ ربما سيؤدي إلى تغيير المعادلة السياسية في ليبيا، وربما يفسح المجال أيضًا أمام وجود حكومة وطنية واحدة؛ يكون لها دور في إحداث التغييرات المطلوبة، خاصة فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية، وإجراء الانتخابات، وإقرار الدستور، وهذا لا يعني تصفير المشاكل التي تواجه ليبيا؛ ولكن الأمر ربما سيدفع بسفينة الوطن لتجاوز الإكراهات والتحديات الحالية؛ الداخلية منها والخارجية.
حسين سالم مرجين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: