أخبار وطنيةاهم الاخبار

وفاة الرضع في تونس.. فاجعة تكشف عمق التدهور بقطاع الصحة

لم يتمالك لطفي نفسه من الغضب أمام صدمته إثر إخباره بوفاة رضيعه في مركز التوليد وطب الرضع بمستشفى الرابطة بالعاصمة تونس، حيث توفي منذ السبت الماضي 12 رضيعا؛ فضرب بقبضة يده اليمنى أحد الأبواب الحديدية الغليظة للمستشفى حتى سال دمه.

تبخر في الهواء حلم الرجل المتزوج حديثا في أن يضم إليه مولوده الأول، بينما بقيت روحه ممزقة بين التفكير بالقيام بالإجراءات المملة لاستخراج جثة ابنه، والقلق على حياة زوجته الغائبة عن الوعي جراء ارتفاع ضغط دمها بعد سماعها تلك الأنباء المفزعة.

يبدو الجو في مدخل هذا المستشفى كئيبا مع رؤية التعابير الحزينة المرتسمة على وجوه بعض أفراد عائلات الضحايا، الذين قدموا من أجل الاطمئنان على صحة أمهات الرضع الملتاعات قهرا، فقبل يومين فارقت شابة الحياة كمدا وحزنا على وفاة رضيعها.
محتجون وضعوا صناديق كرتونية أمام مقر وزارة الصحة
جريمة نكراء
شارد الذهن مطأطئ الرأس فاقد الأمل، يجلس لطفي -العامل اليومي البسيط- على سور قصير قبالة المدخل الرئيسي للمستشفى، قرب عائلة أخرى نخر الحزن فؤادها. في هذا المستشفى فرّقت الأسباب الأحباب وتوحّدت القلوب المنهارة في فاجعة وصفها البعض بالجريمة النكراء.

يُرجع هذا الرجل مسؤولية وفاة الرُّضع إلى الفساد والتقصير والإهمال وعدم المبالاة وانتشار الأوساخ في المستشفيات الحكومية، ملجأ عامة الناس. بالنسبة إليه فإن تصريح وزيرة الصحة بالنيابة سنية بالشيخ ليس إلا محاولة لتضليل الرأي العام وطمس آثار الجريمة في حق الأطفال.

لم تقنع العديد من المواطنين تصريحات وزيرة الصحة بالنيابة التي تسلمت المنصب مكان الوزير المستقيل عبد الرؤوف الشريف، إذ يعتبرون إرجاعها سبب وفيات الرضع -قبل إنهاء التحقيق- لوجود تعفن جرثومي في قسم الرضع وإنكار حقنهم بمحلول غذائي فاسد، “طمسا للحقيقة”.

بالقرب من لطفي تُخرج نجيبة -شقيقة إحدى الأمهات الضحايا- كيسا مليئا بثياب بيضاء، رسم عليها دب ظريف مبتسم كانت ستهديه لابن أختها المفارق، بينما تقول بنبرة حزينة إن المستشفى أهان كرامة عائلتها بوضع جثة الرضيع في صندوق من الكرتون.

مصحوبة بزوجها وشقيقتها الكبرى، لم يعد لهذه المرأة ما تفعله سوى الجلوس طوال النهار في المستشفى للاطمئنان على مصير شقيقتها المنهارة. تقول غاضبة إنها تريد كشف الحقيقة كاملة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الفاجعة، رافضة ما اعتبرته انحيازا من وزيرة الصحة للأطباء.

قطاع متردّ
ولطالما وُجّهت أبشع الاتهامات إلى قطاع الصحة العمومية في تونس جراء تسجيل العديد من الأخطاء الطبية التي راح ضحيتها العديد من المرضى دون أدنى محاسبة. وبلغ الأمر حدّ زرع لوالب قلبية فاسدة لمرضى القلب واستخدام مخدر فاسد وقضايا أخرى بقيت طي النسيان والكتمان.

بالنسبة إلى رئيس الجمعية التونسية لضحايا الأخطاء الطبية صابر بن عمار، فإن فاجعة وفاة 12 رضيعا على الأقل لا تقل خطورة عن “العمليات الإرهابية”، متسائلا بريبة “ما أدرانا إن لم تكن وفيات الرضع في يوم واحد دفعة واحدة بفعل فاعل من أجل زعزعة أمن البلاد؟”.

وفي كل الأحوال، يعتبر بن عمار أن ما حصل يعد “جريمة كبرى” في حق الرضع، مستاء من تصريحات وزيرة الصحة وبعض أفراد لجنة التحقيق المكونة من أطباء اختصاص ومسؤولين في الوزارة، بسبب شعوره بمحاولة توجيه الرأي العام لأسباب “واهية وإخفاء الحقيقة”.

وتم استبعاد المديرة العامة لمخبر مراقبة الأدوية سدة بحري الهيشري من تشكيلة لجنة التحقيق في ملف وفاة الرضع، بعدما اعترفت أمام أسئلة أحد الصحفيين بامتلاك والدتها شركة مختصة بتوزيع المستحضرات الصحية للمستشفيات الحكومية، مما يشكل تضاربا في المصالح.
سبب الكارثة
ويقول بن عمار إن كارثة وفاة 12 رضيعا داخل حاضنات زجاجية لا يعود إلى عدم اكتمال نموهم أو لوجود تعفنات، وإنما إلى إشكال في زجاجات التغذية، مرجعا سبب وقوع الكارثة إلى تحكم مافيات في قطاع الأدوية بالتواطؤ مع مسؤولين بالصيدلية المركزية، بحسب قوله.

ومع أن لجنة التحقيق المتعهدة بالكشف عن أسباب وفاة الرضع تؤكد نشر نتائج التحقيق بعد إجراء الاختبارات والانتهاء منه، يقول بن عمار إنه تقدم بشكوى وطلب إلى منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) لفتح تحقيق نزيه ومحايد في القضية.

وبسبب اشتغاله على ملف الأخطاء الطبية، يلاحظ أن هناك انحدارا خطيرا لقطاع الصحة العمومية بسبب عدم تخصيص الموارد المالية الكافية وانتشار الفساد في الصفقات العمومية للأدوية، ونقص الإطار الطبي وغياب حفظ الصحة وغيرها.

وإلى جانب ذلك، يقول بن عمار إن قطاع الصحة أصبح ممزقا بين “لوبيات” تحاول ضربه لمصلحة المصحات الخاصة الباهظة الثمن، وبين نقابات عمالية لها تأثير كبير في المرفق العمومي للصحة تقوم بخدمة أجندتها وتمرير إملاءاتها مستخدمة سلاح الإضراب دون مراعاة مصلحة المرضى.

وكان من المفترض أن ينظم مجلس نواب الشعب (البرلمان) -أمس الثلاثاء- جلسة عامة طارئة للنظر في حادثة وفاة الرضع، لكن ظاهرة غياب النواب دفعت رئيس البرلمان إلى رفع الجلسة بسبب عدم اكتمال النصاب، وسط سخط كبير لدى الرأي العام التونسي من الاستخفاف بالحادثة.
خميس بن بريك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: