أخبار عالميةاهم الاخبارسياسة

سرعة قياسية في إعدامات مصر: ضوء أخضر دولي للسيسي

يوجّه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رسائل واضحة للداخل والخارج، من خلال إعدام تسعة شبان من المتهمين باغتيال النائب العام السابق، هشام بركات، مفادها أنه لا تراجع عن سياسة التنكيل والتخويف والترهيب للجماعات المعارضة للنظام، حتى إذا اقتضى الأمر أن تسلك القضايا الخاصة بهم، ذات الصبغة السياسية، دروب المحاكم. فالنظام القانوني أدخل عليه النظام تعديلات عديدة ليسمح بمحاكمات سريعة ومتعجلة، تحت شعار “العدالة الناجزة”، لا سيما في قضايا مثل هذه القضية، التي اهتم السيسي شخصياً بها عندما وقف في جنازة بركات في يوليو/تموز 2015 يطالب القضاة بالقصاص السريع.

تعليمات السيسي التي ترتّب عليها اهتمام استثنائي من الشرطة والنيابة العامة، ثم القضاء، أسفرت عن توجيه أصابع الاتهام لعشرات المتهمين خلال أقل من عام، ونتج عنها آلاف من أوراق التحقيق نضحت باستخدام الشرطة العنف والتعذيب لإجبار المتهمين الشبان على الاعتراف بأمور لم يرتكبوها، والتي يرى العديد من المراقبين أنها أعقد وأكثر تطوراً من إمكانياتهم المثبتة في أوراق التحقيق. بل إن معظم أقوال المتهمين خلال مرحلة المحاكمة بلغت حد الاعتراف بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين ولجانها النوعية والتخطيط لتنفيذ بعض العمليات، لكن ليس من بينها هذه العملية تحديداً.

شهد عام 2018 قفزة غير مسبوقة بإعدام 32 شخصاً بين سجناء جنائيين وسياسيين

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أصدرت محكمة النقض، التي زادت وتيرة تأييدها لأحكام الإدانة نتيجة الضغط الحكومي المستمر عليها وتحميلها مسؤولية تأخر القصاص، على حد وصف السيسي والعديد من السياسيين الموالين له، حكماً نهائياً باتاً بتأييد إعدام تسعة متهمين في القضية، مع الحكم بالإعدام غيابياً على 18 آخرين، والسجن المؤبد لـ15 آخرين، والسجن المشدد 15 سنة لـ8 متهمين، والمشدد 10 سنوات لـ15 متهماً. وقد صدرت هذه الأحكام في أول درجة عن دائرة القاضي حسن فريد، الذي أصبح منذ عام 2015 واحداً من خمسة قضاة فقط مختصين حصراً بنظر قضايا العنف ذات الطابع السياسي، والذي له سوابق عديدة ضد معارضي النظام، أشهرها في الشهور القليلة الماضية: أضخم حكم جنائي في تاريخ مصر، وأكبر حكم إدانة في أحداث ما بعد انقلاب يوليو/تموز 2013، بإدانة 734 شخصاً وتوقيع عقوبات من السجن المشدد خمس سنوات إلى الإعدام بحق 75 منهم، لاشتراكهم جميعاً في اعتصام “رابعة العدوية” الذي تم فضه بالقوة في 14 أغسطس/آب 2013، وشهد سقوط أكثر من 600 مواطن أعزل، من دون مساءلة شخص واحد ينتمي للجيش أو الشرطة.
وبالأمس تم تنفيذ حكم الإعدام في المتهمين التسعة بقضية النائب العام، في حالة تعتبرها مصادر أمنية نافذة “الأسرع في تاريخ القضايا التي صدرت أحكامها من القضاء الطبيعي” إذ فصلت مدة أقل من ثلاثة أشهر بين الحكم وتنفيذ الإعدام، في مخالفة واضحة للأعراف القانونية المصرية. وتوضح المصادر، لـ”العربي الجديد”، أن تنفيذ أحكام الإعدام لطالما اعتبر “قراراً مؤجلاً” متوقفاً على العديد من الظروف القانونية والإنسانية، خصوصاً في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي كان متوسط الإعدامات التي تنفذ سنوياً في عهده لا يتجاوز أربع حالات، وكلها في جرائم جنائية عادية، بينما لم ينفذ طوال عهد مبارك إلا عدد ضئيل من الأحكام الصادرة في قضايا ذات طابع سياسي، وتم تخفيف العديد من أحكام الإعدام بقرارات من رئيس الجمهورية تطبيقاً لقانون الطوارئ الذي ظل مفعلاً طيلة حكمه.

وفي السنوات الثلاث الأولى بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 تم تنفيذ عدد ضئيل من الإعدامات في قضايا جنائية (قتل واغتصاب)، لكن الأمر أخذ منحى آخر تماماً منذ عام 2014 عندما صعد السيسي إلى السلطة رسمياً. ففي السنوات الثلاث الأولى من حكمه تم تنفيذ حكم الإعدام في 24 شخصاً، ثم شهد عام 2018 قفزة غير مسبوقة بإعدام 32 شخصاً بين سجناء جنائيين وسياسيين. أما العام الحالي 2019 فبدأ برقم قياسي هو إعدام 15 شخصاً، بينهم 12 سجيناً في قضايا سياسية الطابع، ومعظم هذا الرقم من قضية اغتيال النائب العام المذكورة. ونفذت السلطات المصرية، قبل أيام، حكم الإعدام بـ 3 معارضين متهمين بقضية قتل نجل أحد القضاة في محافظة الدقهلية بدلتا مصر، نهاية أغسطس/آب 2014.

ويضرب نظام السيسي عرض الحائط بالنصائح والمناشدات الصادرة من جهات أجنبية، مستفيداً من المباركة الرسمية الدولية لسياساته، وعدم رغبة العواصم الكبرى في فتح مجال للقلق مجدداً في الشرق الأوسط، وحصوله على رسائل طمأنة من دوائر سياسية يمينية عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا، مفادها أن تلك الدول ليست مشغولة بما يحدث في مصر بالدرجة التي تدفعها إلى التدخل الرسمي، أو الضغط الحقيقي لوقف انتهاكات حقوق الإنسان وفتح مجالات الحريات العامة والشخصية ووقف أحكام الإعدام المستمرة أو تعطيل تنفيذها. ويقول مصدر دبلوماسي بديوان الخارجية، لـ”العربي الجديد”، إن كل تصرفات وقرارات السيسي تهدف إلى ترجمة سياسته بأنه “ماضٍ قدماً في طريق محدد وواضح لتكريس السلطة في يده فقط، والقضاء على التنظيمات السياسية المعارضة والتقليل من أهمية الحديث عن حقوق الإنسان والحريات”. ويشير إلى أن السيسي نجح بالفعل في الظهور بصورة “الديكتاتور الذي لا بديل له”، وأن الغرب يتعامل معه بهذه الطريقة، ويغض الطرف عن عشرات المشكلات مقابل الحفاظ على المصالح المشتركة، الاقتصادية والاستثمارية والاستخبارية، التي يوليها السيسي اهتماماً كبيراً.

السيسي نجح في الظهور بصورة “الديكتاتور الذي لا بديل له”، والغرب يتعامل معه بهذه الطريقة
لكن الرسالة الأقسى من تنفيذ هذه الإعدامات بكثافة موجهة إلى الداخل وليس للخارج. ويقول مصدر قضائي في وزارة العدل إن “السيسي يريد تغيير الصورة القديمة التي كانت متداولة في الأوساط القانونية عن محكمة النقض وأحكام الإعدام”، شارحاً ذلك بقوله إن “قضاة النقض كانوا دائما متباطئين في مسألة تأييد أحكام الإعدام، حتى وإن كانت القضايا بلا ثغرات، حفاظاً على روح العدالة، والركون إلى أهمية البحث عن أي ثغرة لإنقاذ روح بشرية من المشنقة”. أما الإعدامات، فكان المتداول عنها، بحسب المصدر القضائي، أنها لا تنفذ بسرعة، وحتى بعد صدور حكم بات بتأييدها من النقض، كان المحامون يستهلكون وقتاً طويلاً في تقديم التماسات إعادة نظر لرئاسة الجمهورية ووزير العدل والنيابة العامة، ولم يكن يجوز تنفيذ الحكم ما دام تم تقديم تلك الالتماسات إلا إذا تم رفضها جميعاً بشكل مسبب. ويوضح المصدر أن السيسي كان يرى تلك الصورة المتداولة “سبباً رئيسياً من أسباب عدم تخوف المتهمين المنتمين لجماعات معارضة من مصير مؤلم جراء محاكماتهم”، ولذلك فهذه الإعدامات المتوالية والسريعة تؤكد نهاية حقبة “بطء الإعدام وعدم حتميته” وهو ما يعتبره السيسي “أداة ردع”.

ويشير حديث المصادر، ذوي الخلفيات المختلفة، إلى أن تصعيد السيسي المستمر ضد “الإخوان” والتيارات الإسلامية يكرس واقعاً لا بديل عنه في التعامل معهم، فهو يقطع بكل صرامة الوشائج الباقية وطرق العودة المحتملة، الأمر الذي يتماشى مع تعليماته بترك شيوخ “الإخوان” في السجون في ظروف صعبة، صحياً وإنسانياً، ليلقوا وفاتهم خلف الأسوار، ومصادرة أموال قيادات وعناصر الجماعة، ووصم امتداداتهم الاجتماعية وحرمان الآلاف منهم من حقوقهم السياسية والمدنية. كما أنه يحاول توجيه رسالة شديدة اللهجة للمعارضين من جميع التيارات السياسية، خصوصاً شباب الإسلاميين والمجموعات اليسارية، بأن النظام لن يتهاون مستقبلاً مع من يخرق القواعد التي يضعها أو يشكل خطراً عليه أو يجاهر بمعارضة سياساته، وتوجيه رسالة أخرى للدوائر التي تروج للمصالحة والتقارب بين جماعة الإخوان المسلمين أو تيارات منها مع النظام، وكذلك لبعض قيادات الجماعة التي تروج لصور متخيلة تستقي تفاؤلها من إقدام النظام منذ شهور على ممارسة ضغوط على أفراد الجماعة المحبوسين للتوقيع على وثائق تعترف بشرعية السيسي مقابل التخلي عن النشاط السياسي.

وكالات

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: