أخبار وطنيةاهم الاخبارمقالات

لماذا تصطدم المدنية بالإسلام في تونس دوما؟

لمجرد أن صحيفة محلية نقلت عنه قبل أيام تصريحه بأن الإسلام ملك لكل التونسيين، بمن فيهم من لا يدينون به أو يعتنقونه، وبأنه من الضروري له، أي الإسلام، أن يتحرر من حركة النهضة ومن الصراع الحزبي، فإنه بات بمقدور المستشار السياسي للشيخ الغنوشي أن يحلق عاليا في سماوات الإعلام، ويرفرف كالفراشة متنقلا من محطة إذاعية وتلفزيونية إلى أخرى، بعد أن فتح له الجميع أبواب الحوار والسجال والنقاش على مصراعيها، وصار محور اهتمام وشغف القائمين على البرامج المحلية ومدعاة لانبهار وإعجاب جزء من جمهورها ومتابعيها، واستنكار واستغراب، بل ربما استهجان جزء آخر منهم بالطبع. والسبب في كل ذلك هو أن لطفي زيتون صنع من حيث يدري، ما أمكن وصفه بالمفاجأة التي لم يكن ليخطر على بال جزء واسع من الرأي العام المحلي، على الأقل، أنها قد تصدر يوما عن شخص منتسب لحركة ظلت تتمسك، حتى في أصعب الاوقات وأحلكها، بالإسلام منبعا لها ومرجعيتها الأصلية، من دون أن يعني ذلك بالنسبة لها اي تضارب أو تعارض مع طابعها المدني والسلمي، الذي ظلت على مدى عقود تدافع عنه وتفاخر به.
وسواء أكانت تلك التصريحات تعني، كما قد يظن البعض، أن ساعة الانفصال بين الاسلاميين والإسلام قد اقتربت، وانهم باتوا على مرمى حجر من الإقدام على منعرج حاسم سيغير صورتهم بالكامل، وسيجعلهم يعيدون الظهور بشكل جديد، لا أحد يستطيع إلى الآن التنبؤ به، أم أنها كانت فقط بالون اختبار انتخابي لا غير، فإن المشكل الأصلي هو أن مثل تلك العروض والأفكار لا تقدم الحل العملي الذي يضع حدا نهائيا لحالة الصدام والتنافر المستمرة، بين ما ظل يوصف في تونس بأنه المدنية والحداثة، وبين الإسلام، ولكنها ستثبت على العكس أن كل ما تردد عن أن قضايا الهوية قد حسمت تماما بالدستور الجديد، الذي صودق عليه قبل خمس سنوات من الآن يبقى معلقا بعلامات استفهام عديدة. فالوقائع، عدا كلام زيتون، تدل بوضوح على أن مسار المواجهة بين الاثنين ما يزال متواصلا على أكثر من مستوى، ومايزال كثيرون يعتبرونهما بمثابة الماء والنار، اللذين لا سبيل لبقاء احدهما الا بزوال الآخر. فلا مدنية بوجود إسلام بنظر البعض، ولا مكان لإسلام في ظل دولة مدنية، في فهم الشق المقابل.

توهمت النخب التونسية التي بنت الدولة وقادتها بعد إعلان الاستقلال أن الإسلام سيكون المعطل لها ولم يخطر ببالها أنه يمكن أن يكون الدافع والمحرك لها

ولعل كلمات المستشار السياسي للشيخ الغنوشي، وبغض النظر عن الغاية منها، أو عن سبب إطلاقها في هذا الظرف بالذات، لم تكن وسط كل ذلك سوى إعلان استسلام مبكر، وغير مشروط أمام ما ظل يقدم على مدى أكثر من ستين عاما على أنه الموديل الاجتماعي الفريد الذي تتميز به تونس عن باقي الدول العربية. لقد كان الأمر أشبه بتلويح بانكسار مفاجئ لمشروع إسلامي لم يكتب له أن يرى النور، أو أن يتحقق على الأرض، لا زمن الاستبداد، ولا في عصر الديمقراطية، ولكن هل كان الخلع المستعجل لثوب الإسلام واستبداله بثوب المدنية سيقلب الصورة مئة وثمانين درجة، وسيجعلها أكثر لمعانا وبريقا في عيون التونسيين وعيون باقي المتربصين والمراقبين الخارجيين على الضفة الأخرى؟
لقد توهمت النخب التونسية التي بنت الدولة وقادتها بعد إعلان الاستقلال «مع فرنسا وليس عنها»، أن الإسلام سيكون المعطل لتلك الدولة. ولم يخطر ببالها ولو على سبيل الافتراض انه يمكن أن يكون الدافع والمحرك لها. وكم كان الرئيس الراحل بورقيبة يردد مزهوا، وهو يجوب الارياف والقرى الفقيرة، انه على التونسيين أن يتخلصوا مما كان يصفها بالعقائد والعادات الفاسدة، وان يلحقوا بركب الامم المتقدمة. ولكن كم كان يقول لهم أيضا بالمقابل أإن القرآن الذي يؤمنون به مليء بالخرافات، مشيرا إلى أن هناك تناقضا لم يعد يقبله العقل بين «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا» و»ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وكم كان يقول لهم أيضا عن الرسول الكريم إنه «كان عربيا بسيطا يسافر كثيرا عبر الصحراء العربية ويستمع إلى الخرافات والأساطير البسيطة السائدة في ذلك الوقت، وينقلها إلى القرآن»، ثم كم كان يحدثهم عن الصوم ويدعوهم لأن يفطروا نهار رمضان حتى يقووا على عدوهم، كما كان يقول لهم. لقد جعل ذلك الرجل الذي حكم تونس على مدى ثلاثين عاما من الإسلام، كما قال الشيخ الغنوشي، صلصالا يفصله حسب مشيئته، لشعب كان معظمه غارقا في الأمية، ولم يزده الغلق القسري لجامع الزيتونة، إلا تجهيلا على تجهيل. وكانت النتيجة، أن تونس لم تنل من حداثتها المشوهة وإسلامها الهجين سوى الفتات، فلا هي استطاعت أن تؤسس بالفعل دولة علمانية على شاكلة تركيا الكمالية، التي كان الزعيم الراحل مفتونا بها، ولا هي نجحت أيضا في تطبيق الفصل الأول من دستورها، الذي كان ينص على أن الإسلام دين الدولة.
وكان طبيعيا أن يكون ظهور الجماعة الاسلامية في اواخر الستينيات، التي صارت تعرف فيما بعد بالاتجاه الاسلامي ثم بحركة النهضة كردة فعل على إقصاء الحداثة والمدنية، كما فهمتها النخبة الحاكمة لكل مظاهر التدين، واعتبارها الإسلام مجرد قشور للزينة الخارجية وطقوس معلبة جاهزة للاستهلاك السريع في المناسبات. وحتى يبرر القمع والتنكيل بها رافع النظام بقوة على مدى عقود طويلة على أن الاسلاميين ليسوا أهلا للديمقراطية وانهم يتسترون بالدين فقط للوصول إلى السلطة، وانه حالما يتحقق لهم ذلك فانهم سينقضون على الدولة ويجهزون عليها ويريقون دم الحريات، ويقيمون حكما دينيا مطلقا. ورغم أن التجربة كانت قصيرة ومحفوفة بالكثير من الانواء والهزات والعواصف الداخلية والخارجية، الا انه لم يكن باستطاعة احد أن يقول بعدها إن تلك المزاعم صدقت، بعد أن تراجعت حركة النهضة وانسحبت قبل سنوات من الحكومة، مجنبة تونس السقوط في المجهول. ولكن الامر الذي بقي عالقا في تونس هو ان المدنية كما تفهمها النخب السياسية والفكرية ظلت قاصرة عن مد الجسور مع الهوية، وتحديدا مع الإسلام، وبقيت في قطيعة وعداء غير معلن معه. لقد ظلت تتخفى وراء خصومتها التقليدية مع الإسلاميين لتخفف من وطأة تلك القطيعة ولتظهر أن مشكلها فقط مع ما يوصف بالإسلام السياسي، وليس مع الإسلام في المطلق. ولكن لم تقدم في المقابل شيئا لتوطيد وتطبيع علاقتها المأزومة بالهوية. إن كل فعلته وتفعله، انها واصلت ادارة الظهر للمشكل، والرقص على اكثر من حبل، وتشديد التصادم مع عقائد الناس وضمائرهم باختراق مناطق حساسة لم يغامر الرئيس الراحل بورقيبة نفسه على الاقتراب منها مثل، مسألة المساواة في الارث. لقد كانت تطلب من الطرف المقابل أن يغير ما بفكره ونفسه ويصير نسخة طبق الاصل منها، ولم تملك الحد الادنى من الشجاعة لتقول بأن المدنية تسع كل التونسيين مثلما فعل القيادي الاسلامي المعروف حين قال في تصريحه الصحافي إن الإسلام ملكهم جميعا. أما لماذا تعجز عن ذلك؟ فمن المؤكد أن العلة تكمن فيها لا في الاسلام.

نزار بولحية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: