أخبار وطنيةاهم الاخبارمقالات

تعليم القرآن في متاهة السياسة في تونس

قبل نحو عام من الآن شبّ خلاف داخل مجلس نواب الشعب في تونس، حول الطريقة المثلى لتلاوة الفاتحة على روح ميت، وفي ما اذا كانت تجوز وقوفا أم أنها تفسد وتبطل بالجلوس؟ وكان المنطلق طلبا قدمه أحد النواب لرئيس الجلسة، بأن تقرأ الفاتحة ترحما على روح سياسي يساري وافته المنية. لكن الشيخ عبد الفتاح مورو، رد بعد قبوله المقترح على نواب طالبوه بالوقوف عند تلاوة تلك السورة، بالتأكيد على أنه «لا يوقف للفاتحة إلا في الصلاة».
قبل أن يحتد ويرد على صراخهم قائلا «أنتم لديكم فقه خاص بكم! الفاتحة هي النص الوحيد في شرعنا الذي يوقف عند قراءته وتلاوته في الصلاة، وهو ركن من أركانه، اما في بقية الحالات فيقرأ حسب حالة القارئ (واقفا أو جالسا أو راكبا)». ومع أن ذلك المشهد العابر بدا ساخرا وكوميديا بعض الشيء، إلا أنه فتح أعين الكثيرين مرة أخرى إلى حالة الازدواج والانفصام الاجتماعي التي ماتزال سائدة، والتي قد يكون ذلك النزاع بين جزء من الفقه الذي ينتسب له الشيخ مورو وما وصفه هو بالفقه الخاص بتلك المجموعة من النواب، قد أعادها إلى السطح مجددا بعد أن خمدت شكليا على الاقل قبل سنوات، بالتصديق على الدستور الجديد.
وربما جعلتهم تلك الصورة أيضا يلحظون بوضوح كيف تقود بعض الأحداث والمناسبات النواب على تنوعهم واختلافهم للتنافس في التذكير بإسلامهم ومعرفتهم بدينهم معرفة تامة لا تجعلهم بحاجة لمن يعلمهم أحكامه أو يشرحها لهم، وكيف أن مجرد الاقتراب من ذلك الفقه الخاص بهم، كما وصفه الشيخ مورو، لسبره والبحث في جذوره يجعلهم يثورون ويسارعون لإلصاق تلك التهم الجاهزة بأي شخص يجرؤ على فعل ذلك، ووصمه بأنه داعشي وإرهابي لا يفهم أبدا وسطية الإسلام وسماحته واعتداله. وحتى الشيخ مورو نفسه وهو من يراه هؤلاء مرات وسطيا ومعتدلا، لم يسلم من تلك الهجومات لمجرد أنه ظهر مرة في شريط فيديو وهو يقول للداعية المصري وجدي غنيم، خلال زيارته لتونس قبل سنوات إن «الإسلام دين رحمة، وإن المسلمين الآن في ضعف، رغم كثرة عددهم، وأن الغرب نجح في تقسيم الأمة واختطاف عقول أبنائها، وعلى الإسلاميين أن يعيدوا للأمة هيبتها، بكسب عقول وقلوب الناس»، وإن «حكومة النهضة لا تستطيع أن تفعل شيئا وهي في الحكم، لأن الإدارة ضدها ويجب كسب عقول وقلوب الناس كي نستطيع أن نؤسس لجيل ومجتمع إسلامي صالح». وكانت كلماته حول ضرورة التركيز على الاهتمام بأطفال من يوصفون بالعلمانيين، بدلا من الانشغال المطلق بالصراع معهم، بمثابة الوقود الإضافي لخصومه للتشكيك في التزامه الكامل والتام بمدنية الدولة.
وكانت المناسبة الجديدة لذلك هي القضية الاخيرة التي شغلت وسائل الإعلام في تونس على مدى اكثر من اسبوع ووصفها البعض بقضية الثكنة الداعشية، أو وكر طالبان، الذي تم الكشف عنه في تقرير عرض اواخر الشهر الماضي على إحدى المحطات التلفزيونية المحلية، وتلاه تحرك حازم لوزارة الداخلية، حين أصدرت بيانا قالت فيه، إن إحدى الإدارات التابعة لها تعهدت «بالتحري عن نشاط مشبوه لجمعية قرآنية كائنة ببلدة الرقاب من محافظة سيدي بوزيد، تأوي مجموعة من الاطفال والشبان في ظروف غير ملائمة، ويتعرضون لسوء المعاملة والاستغلال الاقتصادي، بالتنسيق مع الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالاشخاص ،ومندوب حماية الطفولة بسيدي بوزيد»، مضيفة أنه بتنقل الوحدات الأمنية المختصة رفقة المندوب العام لحماية الطفولة، وخمسة أخصائيين نفسانيين على عين المكان» تم العثور على اثنين واربعين طفلا وسبعة وعشرين راشدا تبين أنهم يقيمون اختلاطا بالمبيت نفسه في ظروف لا تستجيب لأدنى شروط الصحة والنظافة والسلامة، وجميعهم منقطعون عن الدراسة، كما أنهم يتعرضون للعنف وسوء المعاملة، ويتم استغلالهم في مجال العمل الفلاحي وأشغال البناء ويتم تلقينهم أفكارا وممارسات متشددة»، وأنه «وبإذن من النيابة العامة بسيدي بوزيد تم الاحتفاظ بصاحب المدرسة من اجل الاتجار بالاشخاص، بالاستغلال الاقتصادي لأطفال والاعتداء بالعنف، ومن اجل الاشتباه في الانتماء لتنظيم إرهابي، كما تم الاحتفاظ بامرأة اعترفت بزواجها من المعني على خلاف الصيغ القانونية». وكما جرت العادة فقد اختار معظم المعلقين أن يلقوا باللائمة على الدولة، التي قصرت وربما حتى تواطأت وتسترت على تلك الافعال المشينة، ثم على حركة النهضة و»الإسلام السياسي» الذي قال عنه الكاتب شكري مبخوت إنه «اعتمد على تلك المدارس لنشر أفكاره وللانتشار لاحقا داخل البلاد»، وإنه كلما اعتقدنا أن أنصاره أي الإسلاميين «استوعبوا المدنية كشفوا لنا عن توجهاتهم المناوئة للمجتمع والدولة».
ووسط كل ذلك استحضرت من جديد تلك التحذيرات، التي انتشرت مع فوز الاسلاميين بأول انتخابات حرة جرت في البلد، بعد هروب الرئيس المخلوع بن علي، من خطر أخونة الدولة وتغيير ما ظل يوصف بـ»النمط المجتمعي» لتونس واحتدم التنافس في التذكير بمن سبق له ونبه قبل غيره من خطر التسامح مع فتح المدارس القرآنية، لانها كانت وستظل بنظره أوكارا للفساد وتعبئة الاطفال وغسل أدمغتهم وتهيئتهم للقتال في سوريا وغيرها، قبل العودة لاقامة امارة «تونستان» في تونس.

إسقاط الانتهاكات إن ثبتت في مدرسة قرآنية واحدة على كل المدارس الأخرى بالجملة، سيؤجج نار السباق المحموم بين اليمين واليسار نحو مزيد من الغلو والتشدد

وربما كان كل ذلك المشهد السيريالي جزءا من الحرب المفتوحة مع التيار الإسلامي، التي تزداد ضراوة كلما اقتربت مواعيد انتخابية، أو احتدم الصراع بين اجنحة السلطة. ولكن الخلط بين رفض ما يصور على أنه مشروع رجعي وظلامي لحركة النهضة، واقحام تعليم القرآن في الصراعات والحروب الدونكيشوتية، مع ما يعتبر عدوا تاريخيا لدودا، يجعل الأمر ملتبسا في أذهان التونسيين. فإذا كان من العادي ربما أن يرى نائب عن الجبهة الشعبية اليسارية مثلا، أن تلك المدرسة القرآنية التي هزت تونس باتت «تطرح فرضية وجود دولة داخل الدولة وتعليم عمومي تحت سلطة الدولة، وتعليم آخر تحت سلطة الدواعش وحماتهم في السلطة» مثلما قال في تدخله الأخير تحت قبة البرلمان فإن غمزه من قناة التصريح المجتزأ لحديث الشيخ مورو مع الداعية وجدي غنيم وتشديده على أنه يشعر بالخطر من ناس قال البعض منهم في إشارة لمورو لا حاجة لنا بكم أنتم فاسدون… إننا نريد أولادكم وبناتكم»، يطرح نقطة استفهام كبرى حول ما اذا كان المغزى الحقيقي من وراء ذلك محاربة طرف سياسي فقط؟ أم ترويع التونسيين وتخويفهم من الدين بشكل عام؟ ويثير معها تساؤلات حادة أيضا حول طبيعة التنشئة المطلوبة للأجيال الجديدة، وفي ما إذا كان القرآن سيبقى جزءا راسخا وأساسيا فيها؟ ومن المؤكد أن إسقاط الإخلالات والانتهاكات إن حصلت أو ثبتت في مدرسة قرآنية واحدة على كل المدارس الاخرى بالجملة، لن يفيد أو يساعد على الحل أو تطبيع العلاقة الضبابية للدولة منذ اكثر من ستين عاما بالقرآن وبالتنشئة الدينية بالعموم، بقدر ما سيؤجج نار السباق المحموم بين اليمين واليسار نحو مزيد من الغلو والتشدد، الذي يرفضه التونسيون ولا يدعو له أو يقود إليه بالطبع لا الكتاب الكريم ولا الحرص على تعلم سوره وآياته.

نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: