أخبار وطنيةثقافة

المغنون في «إسرائيل»: وصمة على جبين التونسيين

يتحرجون منه أصلا في مصر، ويستعيذون دوما بالله من شر الوقوع فيه في الأردن، مع أن للبلدين ومنذ سنوات علاقات مكشوفة بالكيان المحتل. لكن مسار «التطبيع الغنائي» إن صحت العبارة يجري اليوم في بلد آخر، لا شيء يدل في الظاهر على الاقل على أن هناك روابط أو علاقة تجمعه بإسرائيل. أما ما المغزى من وراء قوافل من يسميهم الإعلام المحلي بالفنانين، التي تقصد الأراضي المحتلة، أحيانا بشكل سري، وأحيانا أخرى بشكل سافر ومستفز حتى تحيي سهرات ماجنة للإسرائيليين؟ وهل أن تصرفاتها تلك مجرد نزوات معزولة؟ أم أنها انعكاس لسياسات رسمية غير معلنة للدولة؟ ذلك هو اللغز المحير بالفعل.
وإن افترضنا إنهم أرادوا فقط مجرد المغامرة بالذهاب في رحلات استكشافية يرفهون فيها عن القتلة والسفاحين الصهاينة، ألن يكون الصمت على مغامراتهم التي تتصادم بالطول والعرض مع نداءات العقول والقلوب والضمائر، وتتحرر تماما من أي قيد أو شرط لتختصر فقط في مثل ذلك السقوط المريع في فخاخ الرقص الماجن والغناء المسموم للعدو، خيانة في حق تونس والتونسيين قبل أي أحد آخر؟ ألن تكون أشبه بالعدوان البشع والتلطيخ المتعمد لصفحات نقية ناصعة البياض من الدعم التونسي المستمر، ومن الوقوف الفعلي على مدى اكثر من سبعين عاما مع حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة؟ أم أن لهؤلاء باسم الفن مطلق الحرية في أن يفعلوا ما يشاؤون، وكيفما يخطر لهم حتى لو كان رقصهم وغناؤهم للعدو سيكون هو الطريق الالتفافي الأقصر لتطبيع لايزال معظم التونسيين، إن لم يكن كلهم يرفضونه بشدة ويقفون في وجهه بكل ما أوتوا من جهد وعزم؟
إن ما يحز في نفوس الكثيرين، انهم لا يرون حتى الآن أي دفوعات أو شكاوى قضائية ترفع في المحاكم ضد فيالق المغنين المطبعين، ولا أي مطالب بتوقيع عقوبات جزائية، أو حتى مدنية في حقهم، اللهم إلا اذا استثنينا ما أعلنت عنه نقابة الموسيقيين التونسيين مؤخرا عن نيتها التتبع القضائي لواحد منهم، بل إن مظاهر الرفض الشعبي، أو حتى الدعوات لمقاطعة محدودة لهم ولأغانيهم، أو حتى الاحتجاج العلني والقوي على أفعالهم تكاد تكون شبه مفقودة، إذا تركنا جانبا بعض البيانات النادرة التي قد تصدر عن بعض الجمعيات، التي لا يلتفت لها الرأي العام في الغالب، أو يعطيها قدرا من الأهمية والقيمة. فهل يعني ذلك إن التونسيين صاروا يقبلون ويباركون، وفي أضعف الأحوال لا يأبهون أو يهتمون قليلا أو كثيرا بحفلات التطبيع التي يحييها بين وقت وآخر، افراد ينتمون معهم للبلد نفسه؟ إنهم يعلمون جيدا أن أولئك المطربين يحوزون نصيبا معقولا، بل وافرا من المال والمجد والشهرة المحلية، وربما حتى العربية، وإن معظمهم يرفل في الرخاء والنعمة ولا يعوزه شيء. ومع ذلك فهم يدركون أنهم جميعهم يتلهفون للمزيد والمزيد، حتى لو كان الثمن المطلوب لتحقيقه، الرضوخ للشيطان بالرقص والغناء للإسرائيليين تحت مسمى التسامح والسلام، وإبعاد الفن عن متاهات السياسة. وهم مقتنعون تماما بأنهم ليسوا بحاجة للبحث كل مرة عن مبرر، فلديهم دائما وأبدا حزمة من الحجج المعتادة يظهرونها باستمرار كلما اقتضى الأمر، أي كلما تسربت لوسائل التواصل أو للإعلام أنباء عن حفلاتهم في تل أبيب أو إيلات أو مدن أخرى بالاراضي الفلسطينية المحتلة. وهي تدور في الغالب حول نقطة من اثنتين فإما انهم لم يأتوا ابدا في مهمة تطبيعية للغناء في دولة تسمى إسرائيل، بل كانوا على العكس في رحلة قومية ووطنية لبلد عزيز وشقيق يدعى فلسطين، وإنهم كانوا ومازالوا مناصرين أمناء وصادقين للقضية العربية المركزية، ولا همّ لهم أو غاية إلا الدفاع الفني بالطبع عن شعب محتل ومحاصر، ورفع روحه المعنوية لعباب السماء، وإنهم على رأي واحد منهم يغنون للسجين وليس للسجان.

تقلبات الديمقراطية التونسية وأزماتها الصعبة تجعل التونسيين رغم تحررهم النسبي يعيشون شبه عزلة عن هموم وقضايا كانت في صدارة اهتماماتهم

وأما إنهم أقدموا على خطواتهم تلك باسم الوطنية الصرفة، ونزولا عند رغبة يهود ينحدرون من تونس، ويكنون لها كل الود ويحرصون على أن يستعيدوا بعضا من ذكرياتهم فيها. أما من يصدق ذلك فالأمر متروك لعناية المشرفين على آلة الإعلام المحلي، وهو لا يعنيهم أو يشغلهم بشدة مادامت أصواتهم وصورهم مصانة من أي مس أو تلبيس. فلهم عند الحاجة أن يتصرفوا بما يرونه مناسبا لاحتواء أي ضجة إعلامية قد تحصل بشكل مؤقت ومفاجئ، كأن يصدروا، كما فعل أحدهم منذ أكثر من عامين من الان بيانا على حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، في اعقاب تسريب صورة له مع ضابط إسرائيلي على أحد المعابر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عندما كان في طريقه لإحياء إحدى الحفلات، يؤكد من خلاله على أن الأمر «تم بحسن نية وبشكل عفوي ومن دون التنبه لبعض التفاصيل التي تبين في ما بعد أنها بغاية الأهمية» وأنه ببساطة «لم يكن يعرف أن الشخص الذي التقط معه الصورة إسرائيلي»، وأن ما وصفه بـ»النسيج الفلسطيني مركب ويصعب في بعض الاحيان على كثير من العرب فهم تفاصيل وتركيبة الشعب الفلسطيني البطل» أو لهم أن يلجأوا مرات اخرى إلى نوع من الركون والصمت الاستراتيجي يكسرونه بعد وقت معلوم حين يخرجون للإعلام مدعين أنهم كانوا ضحايا قمع واستبداد النظام، وردات الفعل الهمجية وغير المفهومة للجمهور ويقولون إنهم ذهبوا للكيان المحتل فقط تنفيذا لتعليمات جهات عليا يرفضون الكشف عنها، مثلما فعل ذلك المطرب المعروف الذي سمعه الجميع شهورا قليلة قبل هروب الرئيس المخلوع بن علي يهتف عاليا في واحدة من تلك الحفلات بحياة الجنرال الهارب وحياة بنيامين نتيناهو أيضا ليعود ويبرر بعد سنوات فعلته تلك بأنه كان فاقدا للوعي حين صدرت منه تلك الأفعال، وأن اللوم يقع فقط على كؤوس الخمرة التي لعبت حينها برأسه، لكن أليس من الغباء أن نتصور أن تجري الامور بتلك السهولة من دون أن تكون هناك جهة ما ترعى وتنظم وتخطط لتلك الحفلات ولما بعدها؟ ألن يكون هناك على الأقل من يغض الطرف ويعطي الضوء الأخضر لمن يسافر للكيان المحتل ثم يعود منه آمنا سالما، بل حتى معززا مكرما؟
المشكل الحقيقي، ان تقلبات الديمقراطية التونسية والازمات الصعبة التي تجتازها تجعل التونسيين، ورغم تحررهم النسبي يعيشون في شبه عزلة
عن هموم وقضايا كانت في صدارة اهتماماتهم. لقد قصد أجدادهم قبل سبعين عاما من الان فلسطين للذود عنها من الهجمة الصهيونية، ولكن كل ذلك طمس واختفى ولم تعد تظهر الآن في الصورة الا زيارات بعض احفادهم لدولة الكيان للرقص والغناء للمحتلين. أما السبيل لتعديل ذلك وتصويبه فهو ان يتأكد الجميع وبلا استثناء وبشكل تام، أن وصمة العار جراء تلك الافعال المجنونة لن تلصق في الاخير بافراد طائشين فقط، بل ببلد كامل كان مصدر فخره الدائم هو وقوفه المستمر مع معاناة الفلسطينيين.

نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: