أخبار وطنيةاهم الاخبارسياسة

حزب تونسي جديد بوجوه قديمة

أعلن رئيس الحكومة التونسية، يوسف الشاهد، في مؤتمر جماهيري يوم 27 الشهر الماضي جانفي في مدينة المنستير (مسقط رأس الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة) عن تأسيس كيان حزبي جديد، حمل اسم “تحيا تونس”، ليكون الحزب الرابع الذي ينشق عن الحركة الأم “نداء تونس”، بعد انشقاق حزبي مشروع تونس ومستقبل تونس وحركة تونس أولا، وما يمكن ملاحظته أن كل هذه القوى المنشقة عن حزب الرئيس الباجي قائد السبسي ترفع تقريبا الشعارات نفسها، والتي تؤكد على تبنّي البورقيبية والحداثة والخيارات الليبرالية في الاقتصاد. ويبدو أن حزب رئيس الوزراء الحالي سيكون أكثر حظا في منافسة حركة “نداء تونس”، بعد أن تمكّن من اجتذاب النواب الموالين لها في مجلس النواب، وشكّل كتلة تضم 54 نائبا، بالإضافة الى إقناعه عددا مهما من ناشطي “آفاق تونس”، وهو حزب ليبرالي صغير، بالانضمام إلى هياكل الحزب الجديد.
تبين القراءة الأولية للشعارات التي يرفعها الحزب الجديد والوجوه التي ساهمت في تأسيسه أنه محاولة لاستنساخ تجربة الحركة الأم “نداء تونس”. وإذا كان حزب الباجي قائد السبسي قد نشأ في أحضان المعارضة لحكومة الترويكا، ونتيجة حالةٍ من التحشيد السياسي غير المسبوقة لإطاحة حكومة تحالف حركة النهضة / المنصف المرزوقي، فإن الحزب الجديد أشبه بطفل الأنابيب الذي تم تخليقه ضمن أروقة السلطة، وهو لا يخفي، منذ النشأة، رغبته في الاستحواذ على السلطة وممارسة الحكم منفردا. وقد عبّر عن ذلك منسق الحزب الجديد سليم العزابي الذي صرح بأن هدفهم هو الوصول إلى السلطة وبغالبية مريحة تمكّنهم من إدارة الدولة من دون شريك.
تكشف سرعة تشكيل الحزب الجديد عن رغبة يوسف الشاهد وشركائه في خوض الانتخابات
“الحزب الجديد أشبه بطفل الأنابيب الذي تم تخليقه ضمن أروقة السلطة”المقبلة، والعودة إلى منصب رئاسة الحكومة، وهو الذي أعلن أنه لن يخوض الانتخابات الرئاسية. وقد يتمكّن الحزب الجديد من نيْل مقاعد في مجلس النواب المقبل، غير أنه يظل مهدّدا بإعادة إنتاج تجربة الحزب الذي انشق عنه، أعني “نداء تونس”، بكل علاّته وصراعاته، فلا شيء يضمن لحزبٍ تشكل على خلفية مصالح سياسية أن يتفكّك في صورة عدم نيل الفرقاء المؤسسين له المناصب التي يطمحون لها.
في المقابل، أثار الإعلان عن الحزب ردود فعل متباينة، تكشف عن رفض واسع في المشهد السياسي محاولة رئيس الحكومة استثمار نفوذه في الدولة، من أجل التمكين لكيانه السياسي الجديد، خصوصا في ظل ما يتردّد عن وقوف رجال أعمال فاسدين وراء الحزب الجديد، فقد بادرت منظمة “أنا يقظ” إلى اختراق موقع الحزب الجديد، ونشرت وثائق عن سعي يوسف الشاهد، بصفته رئيسا للحكومة، إلى رفع التجميد عن أموال مروان المبروك (صهر الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي) في دول الاتحاد الأوروبي، بما يخالف الإجراءات التي اتخذتها الدولة التونسية بعد الثورة، في متابعة الأموال التي استفادت منها الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس المخلوع، واستعادتها من البنوك المودعة فيها في الخارج، فالشاهد الذي رفع شعارات مكافحة الفساد، بعد وصوله إلى السلطة، يجد نفسه اليوم محرجا من خلال الاتهامات التي توجه إليه بشأن محاولته تبييض منظومة الفساد نفسها في مفارقةٍ غريبةٍ تكشف عن حالة من الاضطراب السياسي المقترن بتعطش مبالغ فيه للبقاء في الحكم.
مشكلة المشهد السياسي التونسي في حالة الإسهال الحزبي المفرط، حيث نجد 216 حزبا
“أثار الإعلان عن الحزب ردود فعل متباينة، تكشف عن رفض واسع في المشهد السياسي محاولة رئيس الحكومة استثمار نفوذه في الدولة” سياسيا قانونيا، فيما واقعيا ليس هناك سوى أقل من خمسة أحزاب فاعلة ومؤثرة. وفي جو الحريات العامة، يمكن لأي اتجاه إيديولوجي أو سياسي تأسيس كيان حزبي، لكن هذا لا يعني الفاعلية أو القدرة على الوصول إلى مواقع السلطة.
التسرع في تأسيس حزب جديد من دون برامج أو كوادر، مسكون بهاجس الحكم يثبت أن العمل الحزبي في تونس لم يبلغ بعد درجة النضج، وإدراك الغاية من تأسيس كيان سياسي، باعتباره، قبل كل شيء، مجالا للدربة على العمل السياسي، وتأسيس قيم المواطنة، فلا يمكن بناء حزب سياسي من خلال شعارات فضفاضة، هي أقرب إلى التعبيرات الثقافية العامة، كالحديث عن الحداثة والديمقراطية، في غياب برامج فعلية، وتصورات حقيقية لنموذج للتنمية والتطوير، فالحزب الحقيقي كتنظيم عقلاني للفعل السياسي، وإن كانت تتجاذبه، أحياناً كثيرة، جماعات الضغط والمصالح، فإنه يهفو دائماً إلى النموذج العقلاني الأمثل، وهذا قوامُه السعي إلى تحويل الحزب إلى بنيةٍ جماعيةٍ متآلفة عضوياً، أي إلى عقلٍ جماعي، يتناقش فيه جميع الأعضاء قضايا الشأن العام، وليس مجرد كيان هجين، غايته السلطة بأي ثمن.
سمير حمدي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: