اهم الاخبارمقالات

خمس سنوات على الدستور التونسي

احتفلت تونس، الأسبوع المنصرم، بالذكرى الخامسة لصدور الدستور، وسط مناخ من الاحتقان الاجتماعي والسياسي. ونظّم مجلس النواب حفلا بهيجا بالمناسبة، غير أنه تم، بغباء سياسي طفولي، تغييب الرئيس السابق منصف المرزوقي، وهو الذي أمضى على الدستور، مع رئيس الحكومة آنذاك، علي العريض، ورئيس المجلس التأسيسي، مصطفى بن جعفر. وعلى خلاف ما كان يُرتجى من هذا التغييب، فإنه أعاد الأضواء إلى المرزوقي، فقد ندّدت وسائل الإعلام، حتى التي تناوئ الرجل، هذا السلوك، بما حدث، علاوة على موجات استياءٍ كبيرةٍ عمّت أوساطا متعدّدة، بما فيها التي تقف موقفا سلبيا من مدة رئاسته.
تستعيد نخب تونسية، وأعضاء المجلس التأسيسي الذي احتضن ميلاد ذلك الدستور، اللحظات الصعبة التي شكلت نصه، ومنها لحظات توتر، بحكم الجدل الحاد الذي اندلع بين مختلف الفرقاء، فضلا عن مناخ اللحظة الذي كُتب فيها، عنف وموجات إرهاب واغتيالات و… .
بشهادة خبراء عديدين، ومنظمات دولية، يعد الدستور التونسي، على الرغم من بعض نقائصه، رياديا في البلاد العربية، لما جاء فيه من أبواب وفصول نصّت على مبادئ وأركانٍ تعد أعمدة أي ديموقراطية، لعل أهمها التنصيص على الحقوق الأساسية للإنسان والحريات العامة ومدنية الدولة وحرية الضمير، والتداول السلمي على السلطة، من دون إغفال فصل السلطات، وإدراج أجيال جديدة وغير مألوفة من الحقوق، على غرار الحقوق الأكاديمية والتنمية المستدامة.
قد لا يكون مفيدا الوقوف عند عشرات الفصول التي أكدت على تلك الحقوق في الدستور،
“لا يُخفي خبراء أن النظام السياسي الذي نص عليه الدستور بدا هجيناً، فهو “شبه برلماني شبه رئاسي”” وشكلت به حجر الزاوية لهذا الانتقال الديموقراطي، وذلك أنه لا يمكن التغافل أيضا عن تحفظاتٍ برزت في السنوات الثماني الفارطة، وأصبحت مثار جدل حاد أخيرا، في تزامنٍ مع تلك الذكرى، لعل أهمها:
غموض بعض العبارات فيه، والتي قد لا تعود، حسب بعضهم، إلى قصور لغوي، بل إلى جنوحٍ نحو تعويم دلالي يترك للمؤوّلين مجالا أوسع لفهم ما يرغبون، خصوصا في علاقة الدين (الإسلام) بالدولة والمسائل الهووية عموما، فضلا عن العائلة والحريات الفردية. ولعل الجدل أخيرا بشأن المساواة في الميراث، وموقف رئيس الجمهورية من الدين، وهو الذي ردّد أنه لا “علاقة لنا بالدين”، يؤكد هذه العبارات الملتبسة التي قد تخفي العصفور والحيّة في العش نفسه.
ولا يُخفي خبراء أن النظام السياسي الذي نص عليه الدستور بدا هجينا، فهو “شبه برلماني شبه رئاسي”، ولعل الصراع الحاد الذي عرفته السلطة التنفيذية منذ أكثر من سنة، وتحديدا بين رئيسي الجمهورية والحكومة، يعد حجةً لدى بعضهم للبرهنة على ضرورة تنقيح الدستور، لتفادي هذا الشرخ. غير أن خبراء آخرين لا يذهبون هذا المذهب، ويعتبرون أن رئيس الجمهورية الحالي، الباجي السبسي، القادم من ثقافة تقليدية، ينزع منزعا رئاسويا حادّا، وهو الذي قال علنا إنه “لا يريد أن يحكم معه أحد”، وحاول مرارا مخالفة الدستور، والعودة إلى مربع الرئاسة، كما عاشها من عاصرهم، وتحمّل معهم مسؤولياتٍ، مثل الرئيسين بورقيبة وبن علي. ويبدو أن ترشحه للرئاسة، على الرغم من تقدم السن، سيعيد إنتاج “ثقافة الرئيس مدى الحياة”، والتي انتفض عليها التونسيون.
وقد كلف الرئيس السبسي لجنة خبراء لتنقيح الدستور، في اتجاه نظام سياسي رئاسي، غير أنه لا يتوقع أن تنتهي اللجنة إلى مقترحاتٍ دقيقةٍ، علاوة على أن البرلمان الحالي لن يبتّ فيها، إذ تخير الأغلبية البرلمانية الراهنة تأجيل ذلك إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، حتى لا تتغير قواعد اللعبة في أثناء المباراة.
ومع كل هذا الجدل، سيظل استكمال البناء الدستوري أهم مطلبٍ لاستحقاقات الانتقال الديموقراطي، إذ لم يقع بعد تركيز المحكمة الدستورية، على الرغم من انقضاء أربع سنوات
“يبدو أن ترشح السبسي للرئاسة سيعيد إنتاج “ثقافة الرئيس مدى الحياة”، التي انتفض عليها التونسيون”تقريبا من عمر ولاية البرلمان الحالي. ومن شأن هذه المحكمة أن تمارس مهامها الرقابية على مدى دستورية القوانين. كما ينتظر بعضهم استكمال بقية البناءات الدستورية العالقة، على غرار السلطة المحلية وهيئات أخرى. ولذلك، ترى لجنة البندقية مثلا أن تقييم الدستور التونسي يقتضي، قبل الشروع في تعديله، تطبيقه بحذافيره أولا، واستكمال المسارات التي نصّ عليها، حتى يكون التقييم موضوعيا ورصينا.
يعود الاستقرار السياسي الذي عرفته تونس، في جزءٍ كبير منه، إلى عاملين أساسيين: أولا، قدرة النخب التونسية على بناء التوافقات، ولو كانت هشّة، مع تجنب المغامرات الصفرية القاتلة (علي وعلى أعدائي). ثانيا، ترسخ الثقافة الدستورية في مجتمعٍ سمي أول أحزابه الوطنية حزب الدستور في عشرينيات القرن الفارط، على الرغم من كل الأخطاء التي ارتكبها والمنعطفات التي عرفها.
أفضل الدساتير لا تصنع بالضرورة الديموقراطية، فهذه تحتاج ثقافةً سياسيةً عميقة، ووعيا مواطنيا مشتركا، المصلحة العامة ومؤسسات راسخة، لعل أهمها قضاء مستقل، إعلام حر، ونخبٌ مدنية نشطة.
المهدي مبروك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: