أخبار وطنيةاهم الاخبار

تدهور الخطاب التونسي نحو العنف ظاهرة تسيء إلى السياسيين

يتفق الكثير من الخبراء والمحللين المهتمين بالشأن التونسي على أن الخطاب بين مختلف فرقاء الساحة السياسية بلغ درجة كبيرة من العنف أساءت كثيرا لصورة السياسيين في أرض الخضراء خلال هذه المرحلة الانتقالية التي انطلقت مع بداية سنة 2011. فالمتابع لمختلف البرامج الحوارية في المنابر الإعلامية وللحوار البرلماني في مجلس نواب الشعب، وحتى للحوارات السياسية التي تجرى مع هذا السياسي أو ذاك، يخرج بنتيجة مفادها أن ترشيد الخطاب السياسي في تونس “الثورة” بفرض احترام الآخر المختلف فكريا وأيديولوجيا وحزبيا بات ضرورة ملحة.

فالمستوى نزل إلى الحضيض في مشهد غير مألوف صدم الكثير من التونسيين الذين لم يعتادوا على رؤية سياسييهم يتشاتمون وينعتون بعضهم البعض بأقذع النعوت حتى يصل بهم الأمر في بعض الأحيان إلى حد التشابك بالأيدي على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام. والأدهى أنهم لا يعتذرون ولا يتراجعون ويمضون إلى الأمام في مواقفهم الصدامية ما ينبئ بوجود حقد دفين أوصل سابقا إلى الاغتيال السياسي بعد أن ضاقت الصدور بما فيها.

ضعف إرادة الدولة

وفي هذا الإطار يرى السياسي والإعلامي التونسي ناصر الخشيني جوابا عن سؤال يتعلق بالأسباب التي جعلت العنف في الخطاب السياسي موضوع الساعة في تونس أن انتشار الفوضى وتفشي ظاهرة العنف المادي واللفظي بكلّ أصنافه المسلّط على مختلف فئات الشعب نساء ورجالا، كهولا وشبابا، مناضلين ومبدعين، يعود في الأساس إلى ضعف إرادة الدولة التي كانت في العهود السابقة لما يسمى “الثورة” متحكمة في المشهد الأمني ورادعة لكل خطاب عنيف. ونتيجة لهذا الضعف لم ينتشر الخطاب السياسي العنيف فحسب، حسب الخشيني، بل كثرت الجرائم وعمليات الانتحار وتحدي السلط العمومية بشكل مكثف ويومي لأن الديمقراطية الوليدة التي لم يتعود عليها شعبنا أدت إلى عكس ما كان منتظرا منها، أي القطع مع السياسات السابقة التي كان ينتهجها نظام بن علي الذي كان عنيفا في خطابه السياسي مع معارضيه.

ويضيف: “على ذكر سياسات النظام يجدر بنا أن نذكر أنه بعد هروب بن علي كان المفروض أن يمسك المتظاهرون بالسلطة حقيقة لا تمثيلا ولكن ذلك لم يحصل. فالثوار المعتصمون في القصبة 1 والقصبة 2 سلموا السلطة للمنظومة السابقة نفسها لتواصل التحكم في البلاد، محمد الغنوشي رئيسا للحكومة وفؤاد المبزع رئيسا مؤقتا للجمهورية وانضم له لاحقا الباجي قائد السبسي رئيسا للحكومة عوضا عن الغنوشي.

وقد تقاسم هؤلاء السلطة مع الترويكا التي قامت لاحقا بترويع الشعب حيث حصلت في عهد حكمها المباشر الاغتيالات السياسية لشكري بلعيد ومحمد البراهمي إضافة إلى عشرات من الأمنيين والعسكريين الذين قتلوا بدم بارد من قبل الإرهاب الذي كان يعيش بيننا. ومن نافل القول إن العنف السياسي الذي نتحدّث عنه ليس إلاّ نصيب تونس من ظاهرة أشمل تشهدها العديد من مناطق العالم واستقطبت منذ مدّة ليست بالقصيرة اهتمام الرأي العالمي. ولئن شهدت تونس بعض الأعمال الإرهابية منذ الثمانينيات فإنّها ظلّت محدودة ومتحكّم فيها من قبل قوات الأمن. أمّا في ظلّ حكومة الترويكا وما بعدها فإنّ التونسيين أصابهم الهلع من هول ما يسمعونه وما يشاهدونه في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة وأحيانا ما يعيشونه في الواقع من مظاهر العنف”.

ويرى السياسي والإعلامي التونسي أن من مظاهر العنف الأخرى في الخطاب السياسي مسألة توظيف الإعلام لفائدة أطراف على حساب أطراف أخرى والتضييق عليها إلى أبعد الحدود كما هو حاصل اليوم سواء في الإعلام العمومي أو الخاص. حيث تشهد تونس إعلاما وضيعا إلى أبعد الحدود يقدم للجماهير مضامين رديئة تجعله لا يقبل على هذا الإعلام ويتجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي يوجد فيها كم كبير من الإسفاف والعنف الفظيع الذي لم يتعود عليه التونسيون.

ومن أسباب العنف الأخرى في الخطاب السياسي، كما يرى الخشيني، ظاهرة الغلاء الفاحش الذي يجعل المواطنين مقموعين ويلهثون وراء قوتهم اليومي غير مبالين بما يحصل على الساحة السياسية، ويعتبرون الاهتمام بها مجرد ترف فكري له أصحابه المتفرغون له، وهي سياسة ممنهجة ومخطط لها بعناية فائقة لدى دوائر القرار داخليا وخارجيا لإبعاد المواطن عن حقيقة مشكلاته المتمثلة في البطالة والفقر والتهميش وانعدام العدالة الجبائية، بحيث يمتع الأغنياء بامتيازات ويثقل كاهل الفقراء بأعباء جبائية كبيرة إضافة إلى التهريب للبضائع وربما الأسلحة والمخدرات التي أصبحت منتشرة بشكل رهيب أمام مدارسنا وهو شكل آخر من أشكال العنف المسلط على مجتمعنا حتى لا يثور في وجه الجهات المتحكمة والنافذة سواء كانت داخلية أو خارجية. ويتساءل الخشيني: “هل أنّ العنف في الخطاب السياسي وفي الإعلام وفي الممارسة اليومية للحياة بكل تفاصيلها يخدم أفكارا سامية مثل الدفاع عن الوطن وخدمة الشعب وحماية الدّين أم يهدف إلى تحقيق مآرب فئوية ومصالح آنية؟

خطاب متدن

ويرى مروان السراي، الباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق، في حديثه أن العنف في الخطاب السياسي في تونس بلغ حدا لا يطاق ووصل إلى مستوى لا يمكن السكوت عنه لأنه أصبح يسيء للمتلقي لهذا الخطاب. فهذا المستوى المتدني، يعرض في وسائل الإعلام ويشاهده الكبار والصغار على حد سواء وهنا مكمن الخطورة، فالأطفال يشاهدون من السياسيين غير المسؤولين كيلا من الشتائم والصراخ المتبادل لمجرد الاختلاف في الرأي.

ويضيف قائلا: “يبدو أن الطبقة السياسية التونسية التي عانت من كبت الحريات لسنوات طويلة قد فهمت خطأ معنى حرية التعبير واعتقدت أنه يبيح لها أن تشتم وتصرخ وتهدد وترعد وتزبد وتضرب أيضا أو تهدد بالضرب. إذ يعتقد هؤلاء السياسيون مثلا أن السخرية من بعضهم البعض ومن تقدم أحدهم في السن أو باتهام أحدهم بالجنون والمطالبة بعرضه على الفحص الطبي على رؤوس الأشهاد هو ضرب من ضروب حرية التعبير ويدخل في إطار الثورة على ما كان سائدا قبل سنة 2011.

فالفهم الخاطئ لمعنى ثورة وإطلاق حرية التعبير بدون ضوابط أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من فوضى عارمة يراها البعض “خلاقة” اختلط فيها الحابل بالنابل حتى بات الحليم حيرانا وسط هذا الكم الكبير من الشتائم والشتائم المضادة. هذه ليست تونس التي نعرفها والتي تنتشر فيها الميليشيات الفيسبوكية، إن صح التعبير، وهي عناصر تنشط على شبكة التواصل الاجتماعي خدمة لبعض الأحزاب مهمتها تشويه الخصوم وكان أول ضحاياها سنة 2011 أحمد نجيب الشابي الذي رأى فيه حزب يحمل شعارات أخلاقية منافسا جديا فأطلق عليه ميليشياته الفيسبوكية تشتم وتلعن فيه ليل نهار.

صحف المجاري

وترى الناشطة الحقوقية والمدنية آمنة الشابي أن مستوى الخطاب السياسي في تونس وصل إلى الحضيض وساهمت في نزوله إلى هذا المستوى ما تسمى “صحف المجاري” وهي جرائد برزت بعد الثورة تشتم وتنتهك الأعراض مباشرة وبدون رادع. وهي أحيانا تلفق القصص والروايات لتشويه الخصوم السياسيين ورجال الأعمال والنقابيين والإعلاميين وغيرهم. ويبدو أنها ممولة من شخصيات نافذة باعتبار قدرتها على الصمود وعدم انقطاعها عن الصدور في وقت يعاني فيه الإعلام المكتوب الهادف من صعوبات في ضمان البقاء.

وتضيف: “والطامة الكبرى أن القضاء ورغم الشكاوى التي قدمت له ضد هذه الصحف فإنه لا يحرك ساكنا وهو ما شجعها على التمادي وعلى مزيد من استهداف خلق الله بخطاب منحط زاد المشهد السياسي التونسي بؤسا. ففي هذه الصحف عادة ما تجد عبارات من قبيل “اللص فلان” أو “العاهرة فلانة” أو “الكلب فلتان” وأن رجل الأعمال الفلاني على علاقة بفلانة أو بصفقة فساد، وهذا السياسي على علاقة بجريمة قتل أو بجهاز استخبارات خارجي بدون تقديم أدلة.

كما تتوعد هذه الصحف خصوم مموليها بالويل والثبور وبفضح المزيد من الفساد المتعلق بهؤلاء الخصوم. وفي أحيان كثيرة تأتي بوثائق مسربة من عناصر في المؤسسة الأمنية أو من غيرهم وتقوم بنشرها خلافا للقانون ضاربة بكل القيم عرض الحائط. إنها كارثة بكل المقاييس ساهمت في تدهور الخطاب السياسي ولا تجد رادعا باعتبار أن وراءها شخصيات نافذة طالت سطوتها أجهزة الدولة التي باتت غير قادرة على الاقتراب منها ومحاسبتها.

أفضل من الحرب الأهلية

في المقابل يرى الناشط السياسي والحقوقي باديس الكوباكجي أن تدهور الخطاب السياسي في تونس كان متوقعا بالنظر إلى حالة كبت الحريات التي عاشها التونسيون على مدى عقود بل حتى قرون باعتبار أن هذا الشعب لم يعرف الديمقراطية والحريات منذ العهد القرطاجي، متوقعا أن يخمد هذا الهيجان مع الوقت ويخبو بعد أن “يشبع” التونسيون من الحريات وأساسا حرية التعبير والصحافة، ودوام الحال في أن يستمر الوضع على ما هو عليه هو أمر محال.

ويضيف الناشط السياسي والحقوقي التونسي قائلا: “هذا العنف في الخطاب السياسي ليس أمرا محمودا لكنه أفضل من الحرب الأهلية التي انقادت إلى مستنقعها دول عديدة عاشت ما عاشته تونس من تغيير في السلطة على غرار ليبيا وسوريا وغيرها، فإن نتشاجر ونتشاتم خير من أن نرفع السلاح بوجه بعضنا البعض وندمر بلدنا ثم لن نجد من يعمره لنا في غياب الثروات الطبيعية الهائلة التي قد تحرك الدول الكبرى للاهتمام بمسألة الإعمار في بلادنا. كما أن شخصية التونسي، وخلافا للاعتقاد السائد، ميالة للصدام ولا تقبل بالرأي المخالف وتثور ثائرتها لمجرد أن هناك من لا يوافقها ويتطلب الأمر سنوات بل عقود لتغيير هذه الشخصية. العنف في الخطاب والحالة تلك تصعيد لهذه الشخصية لتجنب الاقتتال الأهلي الذي كان التونسيون في وقت ما أقرب إليه من حبل الوريد وقاب قوسين أو أدنى من الانخراط فيه قبل أن ينطلق الحوار الوطني برعاية منظمات المجتمع وعلى رأسها اتحاد الشغل ويسحب البساط من تحت أرجل الصائدين في المياه العكرة والرغبين في الدفع بتونس نحو ساحات الدمار”.

روعة قاسم

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: