اهم الاخبارمقالات

هل أخطأ التونسيون حين طردوا بن علي؟

لعل منهم من وجد الاثنين الماضي، وهو يشق طريقه نحو شارع بورقيبة، إما فضولا أو رغبة في الانضمام لمسيرات التخليد، أو حتى التبخيس لذكرى مرور ثماني سنوات بالتمام والكمال على رحيل الرئيس التونسي المخلوع بن علي عن المشهد العام بعض الوقت، لأن يستعيد ما حصل قبل سنوات في ذلك الشارع بالذات من أحداث لن تمحى بسهولة. ولعله تساءل أيضا بينه وبين نفسه عما اذا كانت هتافات الرحيل الذي ارتفعت عاليا وقتها في وجه النظام الحاكم، قد حققت بعض أهدافها وشكلت بالفعل منعرجا نحو تحول حاسم؟ أم أنها بقيت على العكس مجرد صرخة عميقة في واد سحيق سرعان ما ارتدت على مطلقيها بعكس ما توقعوه وانتظروه؟
كان الفاصل الزمني، على أي حال، مناسبا للكثيرين حتى يشرعوا في ذلك بعيدا عن لحظات الانفعال الثوري التي مضت في حال سبيلها. لكن الشواهد الاصطناعية ظلت تتواتر في الأثناء أمام التونسيين، ولم تكن لتختلف إلا في بعض الهوامش البسيطة لا غير. فأحيانا كانت شاشات الفضائيات المحلية تظهر بعيدا عن حلقات النقاش البيزنطي المألوفة، عجوزا وهو يرفع داخل سوق مكتظة حقيبة يد فارغة، ويشير لجيوبه الخاوية تماما من أي مليم، ويشدد على انه صار يكتفي في هذه الاعوام العجاف بشم رائحة الاسماك من دون أن يجرؤ حتى على من الاقتراب منها، بعد أن ارتفعت أسعارها إلى عباب السماء. وأحيانا أخرى كانت تلك القنوات نفسها تختار شابا يافعا وتقدمه على أنه خريج إحدى الجامعات المرموقة، وتترك له المجال حتى يقص على مشاهديها ما يكرره ويعيد ه كثيرون غيره، منذ سنوات خلت، من قصص الفقر والتهميش والبطالة والفساد الإداري والرشوة التي لا تنتهي، قبل أن يختتم حديثه بتوزيع خليط من الاتهامات المباشرة والجزافية على الجميع، بدءا بالرئيس والحكومة والنواب والاحزاب، وصولا بالطبع إلى تلك الثورة التي لا يرى انها جلبت له ولجيوش المطحونين والبؤساء شيئا اخرعدا الخراب والدمار والمزيد من التفقير والتهميش.
أما الأمر الذي لم تكن آلة الإعلام المحلي بكل تفريعاتها تجرؤ على فعله فهو أن تكشف في زمن الانفتاح والتحرر الإعلامي الكامل نماذج مقابلة لا يشتكي فيها الموظف من انحدار قدرته الشرائية إلى أسفل سافلين، ولا يبكي فيها البطال فقره وعوزه وضيق ذات يده وانسداد السبل بوجهه، ولا تذرف فيها الأمهات أيضا سيولا حارة من الدموع على وضع فلذات أكبادها، ولا يعبر فيها حتى الرضع والأطفال عن سخطهم وتبرمهم مما يلوح أمامهم مستقبلا مظلما وكئيبا لا بارقة امل واحدة فيه. فهنا لم يوجد بالطبع أي مجال لأن يظهر من تحت ركام كل تلك النكبات والمآسي الانسانية تونسي أو تونسية يقول بالصوت العالي، إن حاله صار أفضل بعد هروب بن علي، اللهم إلا إذا كان تاجرا محتالا، أو لصا أو مهربا، أو واحدا من الاثرياء الجدد الذين خلفوا عائلة المخلوع. ولم يعد من الغريب أو من غير العادي مند سنوات أن لا تشفع مثل تلك اللوحات الدعائية المكررة بعبارات لم تعد بمرور الوقت مستهجنة أو شاذة وهي تخرج من فم شيخ أو امرأة أو كهل، يقولون كلهم بلسان واحد وبمسحة لا تخفى من الألم والحماسة الملحوظة: «بن علي يرحم والديه». لقد كنا في جنة في عهده وكنا ننعم بالامن والامان وكان «الزوالي» اي الفقير لا يبات جائعا أبدا، وكانت المرأة تخرج من بيتها وتسهر بحرية حتى مطلع الفجر، من دون أن يجرؤ أحد على مضايقتها أو الاعتداء عليها وكان وكانت!

التونسيون لم يستطيعوا بعد مضي ثماني سنوات على ثورتهم أن يحددوا بشكل دقيق ما الذي يريدونه بالضبط

ولشدة الأثر الدراماتيكي الذي كانت تتركه بعدها تلك الصور المأساوية في نفوس البعض، صار يخيل للمشاهد الجالس أمام شاشة تلفزيونه أو وراء لوحة حاسوبه، انه كان يعيش في عصر أو حتى كوكب آخر، وأن بن علي الذي كان يصحو وينام على صورته، والذي جثم بقوة على صدره لاكثر من عقدين كاملين من الزمن، لم يكن بلا شك الرجل نفسه الذي يلمعون سيرته الآن. فهم ينفون عنه كل البلايا والأوزار، وكأنه لم يظلم ولم يقتل ولم يسجن ولم يعذب ولم ينهب التونسيين أبدا، ولم يسرق ثرواتهم ولم يحول بلدهم إلى مزرعة عائلية خالصة، بل لعله كان أشبه بملاك الرحمة الذي نزل على تونس من السماء. ولأنه لا نبي في قومه مثلما يقولون. فقد بطر شعبه النعمة وأظهر قلة معروفه حين أدار ظهره لمن كان يلقب في الإعلام الرسمي بـ»حامي حمى الوطن والدين» وهو، أي ذلك الشعب الجاهل والمغفل ينبغي أن يعض الآن أصابعه أسفا وندما على الخطيئة الكبرى التي ارتكبها بحق نفسه. نعم لقد كانت صرخة «إرحل» بنظر اباطرة الاعلام وصناع الرأي العام اكبر الخطايا التي حصلت. وقد يعكس السؤال الماكر الذي ظهر بالخط العريض على صدر الصفحة الاولى لصحيفة يومية محلية عشية تلك الذكرى مثل ذلك الانطباع، فقد كتبت تلك الصحيفة تسأل «في ذكراها الثامنة ماذا حققت الثورة؟ وبغض النظر عما اذا كانت تتوقع من قرائها أن يكتبوا لها بان منجزات الثورة، إن صح إنها ثورة، بالطبع لا تعد ولا تحصى، وليس أقلها الانحدار المريع لكل مؤشرات الاقتصاد والانزلاق الحاد لسعر صرف الدينار والارتفاع الصاروخي غير المسبوق للأسعار وموجات الهجرة الجماعية للمهندسين والأطباء والأساتذة الجامعيين، فضلا عن الانتشار المريع لمظاهر الفساد والرشوة ولكافة اشكال الانحرافات السلوكية والاخلاقية والفقر والخواء النفسي والتربوي المدقع في صفوف الأجيال الشابة بوجه خاص، فإن المشكل الاساسي هو أن التونسيين لم يستطيعوا بعد مضي ثماني سنوات على ذلك اليوم الذي اختفى فيه بن علي من امام وجوههم أن يحددوا بشكل دقيق ما الذي يريدونه بالضبط؟ فهل إنهم مازالوا مصممين حقا على الدفاع عن حريتهم و كرامتهم؟ أم أن مطلبهم الوحيد الان صار كما توحي بذلك وسائل اعلامهم، هو تحصيل رغيف الخبز بغض النظر عما اذا كان ذلك الطلب سيتحقق في ظل نظام يضمن لهم تلك الحرية والكرامة أم لا؟ إن بوصلتهم لم تعد مثلما كانت أيام الاستبداد موجهة صوب هدف واحد، ولان فاقد الشيء لا يعطيه فلن يكون ممكنا لمن لم يكتو يوما بنار البطش والقمع أن يدرك معنى الحرية، أو يعرف أهميتها، فضلا عن من يهب للدفاع عنها.
ولاجل ذلك فإن من لم يستشعر قيمة الحرية التي حصل عليها فلن يستطيع الحفاظ عليها مثلما ذكر الشيخ الغنوشي قبل ايام. اما كيف يمكن للبؤساء والجوعى والمنكوبين أن يفعلوا ذلك؟ فالسبيل الاول هو أن لا يساورهم الشك ابدا وتحت اي ظرف في أن طردهم لابن علي من السلطة قبل ثماني سنوات لم يكن خطأ جديرا باللوم وتقريع الضمير، بقدر ما كان و سيظل اليوم وغدا خيارا صائبا ومفيدا لهم وللاجيال التي ستأتي من بعدهم.
نزار بولحية،

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: