اهم الاخبارمقالات

تونس.. حفر في ذاكرة “جانفي”

مرة أخرى، يحبس التونسيون أنفاسهم خوفا من تنفيذ الإضراب العام الذي يلوّح به الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 17 من شهر جانفي الجاري، والذي قد تكون له انعكاسات شديدة الوطأة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا على الوضع العام للبلاد. وتؤكد المؤشرات أن الأطراف المعنية بالتفاوض ستتوصل إلى اتفاقٍ يلغي الإضراب المعلن، والذي ما زال شبح قيامه يهدد الحكومة وحزامها البرلماني، ناهيك عن رئاسة الجمهورية التي تسعى جاهدة إلى دفع المنظمة النقابية والحكومة نحو توافقٍ يرضي الطرفين، فقد أعلن رئيس الجمهورية صراحةً قبل أيام هول ما يمكن أن يحصل لتونس في صورةٍ تحول إعلان الإضراب العام إلى واقع.
الغريب أن أيام جانفي (يناير) الباردة سرعان ما تتحوّل إلى أيام شديدة الحرارة في المزاج التونسي العام، فالتونسيون راكموا أحداثا شديدة الوطأة عليهم، عرفوها في تاريخهم، القريب والبعيد، خلال هذا الشهر الذي كاد أن يصبح في مخيالهم الجمعي الشهر الذي يشكل أهم تحولات أقدارهم بمسرّاتها وأزماتها.
في هذه المقدمات، وإنعاشا لذاكرتنا، نرصد أهم الأحداث التاريخية التي كان “جانفي” مسرحا لها، إسهاما في تأسيس وعي عام قد يفيد التونسيين في خياراتهم، بدءًا من فعل الاحتجاج، ووصولا إلى إنجاز الثورة.
لقد شهدت العلاقة بين الحزب الدستوري الحاكم آنذاك والاتحاد العام التونسي للشغل تصعيدا
“يظل شهر الأحداث الاجتماعية والسياسية الكبرى في تونس”حادًا بداية من السبعينيات، نتيجة مطالب عمالية ونقابية، وسياسة التصعيد التي انتهجها نظام الزعيم بورقيبة، خصوصا بإعلان الاتحاد الإضراب العام يوم 26 جانفي 1978 بعد انعقاد مجلسه الوطني أيام 8 و9 و10 جانفي 1978، وكانت هذه التواريخ بداية الحسم في قرار الإضراب، سيما بعد فشل جميع المساعي الداخلية والخارجية لفض النزاع، واشتعال فتيل المسيرات والمظاهرات التي عمت البلاد، خصوصا في مدينتي صفاقس ومدينة قصر هلال، والتي واجهها نظام بورقيبة، وذلك قبل أيام فقط من موعد 26 جانفي، سيما بعد إقالة وزير الداخلية آنذاك، الطاهر بلخوجة، المعروف بعدم ميله إلى الحل الأمني، وتعيين وزير الدفاع عبد الله فرحات مكانه، ما ساهم في اشتعال الوضع أكثر، ونزول الجيش لأول مرة إلى الشوارع وانتشاره في العاصمة يوم 26 من الشهر نفسه.
وتؤكد تقارير مستقلة أن حوالي أربعمائة قتيل سقطوا في الأحداث، وجرح أكثر من ألف مواطن، نتيجة المواجهات بين الجيش والأمن من جهة والمتظاهرين من جهة أخرى، في حين أقرّت حكومة الهادي نويرة بسقوط 52 قتيلا و365 جريحا فقط.
من جهة أخرى، فإن “أحداث قفصة”، هو الاسم الذي أطلق على العملية المسلحة التي قام بها كوماندوز من معارضين تونسيين ذوي توجه عروبي في جانفي (يناير/ كانون الثاني) 1980، بعد تسرّبه إلى مدينة قفصة. تمكن المهاجمون من السيطرة على أغلب مراكز المدينة، إلا أن دعواتهم السكان إلى التمرّد باءت بالفشل. وبذلك تمكّنت قوات الأمن والجيش التونسي، في نهاية المطاف، من إعادة السيطرة على المدينة، وأسر قادة المجموعة، بعد سقوط ضحايا كثيرين، وأدّت العملية إلى تأزم حاد في العلاقات بين تونس وليبيا من جهة وبين تونس والجزائر من جهة أخرى.
انطلقت انتفاضة الخبز لسنة 1984 من مدينة دوز في الجنوب التونسي. ومع دخول مشروع الزيادة في أسعار العجين ومشتقاته حيز التنفيذ يوم 1 جانفي 1984، شملت الحركة الاحتجاجية مناطق الشمال والوسط الغربي في الكاف والقصرين وتالة، وبقية مناطق الجنوب في قفصة وقابس ومدنين، ما استدعى دخول الجيش لهذه المناطق، بعد أن سجل عجز قوات النظام العام في الحد من توسع الانتفاضة، ومع إعلان وزارة الداخلية، يوم 2 جانفي، عن سقوط قتلى وجرحى في مناطق قبلي والحامة والقصرين وقفصة، دخلت المنطقة الصناعية في قابس في إضراب شامل ومسيرات كبرى، شارك في تنظيمها العمال والطلاب، كما التحق طلبة الجامعات والمدارس الثانوية في تونس العاصمة وصفاقس، في الشوارع، معبرين عن رفضهم إلغاء الدعم عن العجين ومشتقاته.
بلغت الانتفاضة، في يوم 3 جانفي، أوج أحداثها، وباتت المواجهة مفتوحةً بين المتظاهرين من ناحية وقوات النظام العام والجيش من ناحية أخرى، وأصبح العنف سيد الموقف، فأحرقت المحال والسيارات والمؤسسات والحافلات في شوارع العاصمة وضواحيها، وفي مدن كثيرة في الساحل وفي الدواخل. لقد نجم عن ذلك إطلاق الرصاص، وسقوط مزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين، ولكن الاحتجاجات لم تتوقف إلا مع إعلان الرئيس بورقيبة التراجع عن الزيادات المعلنة.
ثورة الحرية والكرامة هي الأخرى، ولئن انطلقت باحتجاجات شعبية، بلغت ذروتها بإحراق
“التونسيون راكموا أحداثا شديدة الوطأة عليهم، عرفوها في تاريخهم، القريب والبعيد”محمد البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد، أياما قليلة قبل شهر جانفي (17 ديسمبر/ كانون الأول)، فإن إطاحة الرئيس بن علي وخروجه من تونس كانا يوم 14 جانفي (يناير/ كانون الثاني). وقد تتالت أحداث أخرى مهمة في الشهر نفسه، منها استقالة رئيس الوزراء محمد الغنوشي، وحل البوليس السياسي… وبذلك دخلت تونس عهدا جديدا انطلق عمليا بانتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2011.
من المفارقات العجيبة كذلك أن إلغاء العبودية من البلاد التونسية الذي سبقت فيه تونس أميركا وفرنسا قد تم بموجب أمر أصدره باي تونس، أحمد الباي، (1837-1855) يوم 26 جانفي (يناير/ كانون الثاني) 1846، مكرّسا بذلك أول حق طبيعي من حقوق الإنسان، وهو حرية الإنسان في التصرّف في ذاته. كما صدر أول دستور تونسي رسميا يوم 29 جانفي 1861 في عهد محمد الصادق باي (1859-1882)، وجاء معلنا جوانب مختلفة من حقوق الإنسان، الأساسية والاقتصادية والاجتماعية في أكثر من 33 فصلا من مجموع 114 فصلا.
يظل “جانفي” هذا شهر الأحداث الاجتماعية والسياسية الكبرى في تونس، فماذا يحمل جانفي 2019 للتونسيين من مفاجآت، أم أن سيرورة التاريخ من خلال ما تم رصده أعلاه تؤكد اندلاع أحداث أخرى تضاف إلى سجلات “جانفي تونس”؟

محمد أحمد القابسي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: