اهم الاخبارمقالات

تونس بين سنتين

ودّعت تونس سنة 2018 على إيقاع احتجاجاتٍ شبابية، تُطالب بالتشغيل، وتسريع وتيرة التنمية في الجهات المهمّشة. وتزامن ذلك مع تزايد التذمّر من سياسات التقشّف الحكومية، وضيق الناس من ارتفاع الأسعار وشيوع الاحتكار، واستيائهم من تدهور المقدرة الشرائية وتراجع الدينار. واستقبلت البلاد سنة 2019 بعمليّة أمنيّة استباقية، استهدفت خليّة نائمة موالية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في محافظة سيدي بوزيد. وهو ما يخبر أنّ التجربة الديمقراطية الناشئة ما زالت تعاني من تعثّر الأداء الاقتصادي للحكومات المتعاقبة بعد الثورة، وما زالت تقع تحت تهديد الجماعات المسلّحة التي تروم تقويض المشروع الديمقراطي. والناظر في مستجدّات الشأن التونسي يتبيّن أنّ البلاد شهدت تطوّرات عدّة، السنة المنقضية، لعلّ أهمّها فكّ التوافق بين حركتي نداء تونس والنهضة، واختتام هيئة الحقيقة والكرامة أعمالها، وصدور تقرير دائرة المحاسبات للعموم.
سياسياً، مثّل إعلان رئيس الجمهورية، الباجي السبسي، فكّ التوافق بين “نداء تونس” و”النهضة” نقطة تحوّل مهمّة في المشهد السياسي، فبعد أربع سنوات من إدارة البلاد بطريقة توافقية، جنّبت البلاد مزالق كثيرة، افترق الحزبان الحاكمان على خلفيّة الموقف من حكومة يوسف الشاهد، فقد أيّدت حركة النهضة استبقاء رئيس الحكومة، والقيام بتعديل جزئي، لتحسين وتيرة الأداء الحكومي، قناعة منها بأنّ الاستقرار الحكومي ينعكس إيجابا على مسار الانتقال الاقتصادي. في حين تمسّكت حركة نداء تونس بتغيير حكومي شامل، لا يستثني الشاهد. وذلك على خلفية تمرّد الأخير على الحزب الذي ينتمي إليه (نداء تونس)، ونقده هيمنة نجل رئيس الجمهورية، حافظ السبسي، على هياكل الحركة وتوجّهاتها. وألقى هذا الافتراق بظلاله على العلاقة بين مؤسّسة الرئاسة في قرطاج وقصر الحكومة في القصبة، فاشتدّ التنازع بين الطرفين على الصلاحيات والمسؤوليات. ومع أنّ ذلك التنازع لم يخرج عن الأطر الدستورية، فإنّه أربك مسار التنسيق بين المؤسّستين في إدارة ملفّات مختلفة. كما أدّى الافتراق إلى انحسار حزب نداء تونس وصعود كتلة برلمانية (الائتلاف الوطني)، رافدة يوسف الشاهد وفريقه الحكومي.
ومن المتوقّع أن يكون لتلك الكتلة حضور وازن في المشهد السياسي هذه السنة، لكنّ فضّ التوافق أعاد إلى الواجهة الاستقطاب الثنائي بين حركتي النهضة ونداء تونس. وأثّر ذلك سلبا على استكمال المسارات الدستورية والحقوقية، فتعطّل سدّ الشغور في هيئة الانتخابات، وتأجّل تشكيل المحكمة الدستورية، وتزايدت العراقيل بشأن تفعيل مخرجات مشروع العدالة الانتقالية.
من الناحية الحقوقية، أعلنت هيئة الحقيقة والكرامة مع مُوفّى السنة الفارطة اختتام أعمالها رسميًا، وسلّمت رئيسة الهيئة، سهام بن سدرين، رئيس الجمهورية، التقرير النهائي. وعلى الرغم من أنّ التقرير المذكور لم ينل القدر الكافي من التغطية الإعلامية، ولم تحتفل به الجهات الرسمية على النحو المأمول، فإنّه يُعدّ علامةً فارقة في تاريخ المسار الحقوقي في تونس، لأنّه تتويج مسار سنوات من البحث والتقصّي ومحاولة كشف الحقيقة. وتكمن أهمّية التقرير في أنّه يرفع الستار عن ممارسات الدولة القامعة، وأذرعها الحزبيّة، والإعلامية، والبوليسية، واللوجيستية، ويُبرز آلياتها وكيفيّات اشتغالها زمن الحبيب بورقيبة وخلفه زين العابدين بن علي. كما يكشف التقرير جوانب مغيّبة من تاريخ تونس الحديث، ويحدّد الأطراف المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان، ويقترح مقاييس لجبر الضرر اللاحق بالضحايا مادّيا ومعنويا. ولم تجد الهيئة خلال سنوات عملها الدعم المطلوب من أصحاب القرار في البلاد، حتّى أنّ المشرفين على الرّئاسات الثلاث (الرئاسة، الحكومة، البرلمان) لم يشهدوا افتتاح مسار العدالة الانتقالية، ولا اختتامه، ولم يحضروا جلسات الاستماع إلى الضحايا. ولم تتعاون مرافق سياديّة ووزارية (وزارة الداخلية، وزارة أملاك الدولة، المكلّف العام بنزاعات الدولة) مع جهود الهيئة لكشف الحقيقة وإنصاف المظلومين. وساهم ذلك في تأمين إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب، وزاد من تأزيم الضحايا، ومن إحساسهم بالضيم والإحباط، لوقوفهم على عدم جدّية أجهزة الدولة في إنصافهم وردّ الاعتبار لهم. ويتشوّف هؤلاء إلى سنة 2019، وفي نفوسهم خشيةٌ من أن تظل مُخرجات هيئة الحقيقة والكرامة مجرّد حبر على ورق، في ظلّ عدم وجود إرادة سياسية رسميّة مناصرة لمشروع كشف الحقيقة وإعمال العدالة.
وفي مستوى ترسيخ ثقافة الحوكمة ومكافحة الفساد، فيعتبر صدور تقرير دائرة المحاسبات للعموم تعزيزا لمبدأ الشفافية، وكشفا لإخلالات كثيرة في المؤسّسات العمومية. والدائرة المذكورة عريقة، يعود تاريخ تأسيسها إلى سنة 1959، يشرف عليها خبراء، وتُعنى بمراجعة حسابات الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، وتتقصّى كيفيّات تصرّفها في المال العام. وكان الدارج قبل الثورة أن يطّلع رئيس الدولة على محتوى التقرير، ويأذن باتخاذ التدابير اللازمة، وبعد الثورة أصبح مضمون التقرير متاحا للجميع، عملا بمبدأ الرقابة التشاركية/ المفتوحة، وضمانا لحقّ المواطن في النفاذ إلى المعلومة. وجاء في التقرير الصادر موفّى سنة 2018 أنّ دائرة المحاسبات رصدت مخالفاتٍ عديدةً وشبهات فساد في المؤسسات
العمومية، منها ما تعلّق بتدهور الخدمات في شركة الخطوط الجويّة التونسية وسوء التصرّف في تسييرها وإدارة مقدّراتها المالية، ومنها ما تعلّق بغياب استراتيجية وطنية للتحكّم في الطاقة، ومنها ما اتّصل بوجود إخلالات في التصرف في الأدوية والمستلزمات الطبية والفحوصات التكميلية، وكذا في فوترة الخدمات واستخلاص المستحقات في المؤسّسات العمومية. وتكمن قيمة التقرير في أنّه يرصد مظاهر إهدار المال العام واستشراء الفساد في أجهزة الدولة ومفاصل الإدارة التونسية. ويُبرز أثر ذلك على الخزينة العامة، وعلى حياة المواطنين. ومع أهمّية ما قدّمه التقرير من مؤشرات وقرائن، فإنّ مخرجاته لم تجد بعد التجاوب المطلوب من النيابة العمومية. والمفترض، في دولة ديمقراطية، أن يتمّ التحقيق في شبهات الفساد ومحاسبة مرتكبيه تكريسا للعدالة ولوضع حدّ لثقافة الإفلات من العقاب.
بين عامٍ انقضى وعام أقبل، يتطلّع تونسيون إلى وضع معيشي أفضل، وإلى تدابير تنموية شاملة/ ناجعة. وينتظر آخرون أن تعتذر لهم الدولة، وتعيد لهم الاعتبار، وتجبر الضرر الذي لحق بهم زمن الدكتاتورية. ويتشوّف هؤلاء وغيرهم إلى أن تتمّ محاسبة أعوان الدولة الشمولية وبارونات الفساد، لتحقيق العدالة، والحدّ من الإفلات من العقاب. ويبقى تحقيق تلك المطالب رهين وجود قوّة مدنية ضاغطة، تدفع السياسيين وأصحاب القرار إلى الانخراط جدّيا في مشروع إقامة دولةٍ ديمقراطيةٍ عادلة، بدل الانخراط في دوّامات الإقصاء والإقصاء المضاد.
أنور الجمعاوي
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: