مقالات

الكسكسي للمغرب أم للجزائر؟ تلك قضية العصر

نهيا كل الخلافات وأطفآ جميع الأزمات واستطاعا بجسارة أن يحلا أعقد القضايا، بما فيها تلك التي تخص الحدود والصحراء. ثم عادا كما كانا قبل عقود الجفاء الطويلة توأمين حبيبين يرتبطان بحبل سري واحد . لكن أمرا صغيرا فقط بقي عالقا بين المغرب والجزائر، لم تسمح الظروف بتسويته، وهو تحديد لمن منهما ينسب الكسكسي! هي من دون شك أضغاث أحلام تبددت كلها العام الماضي، ولم يثبت منها شيء، بل كان المضحك المبكي هو أن طبق الكسكسي كشف في الشهر الأخير من تلك السنة عن الوجه الكاريكاتيري لسوءات العلاقة بين الجارتين اللدودتين، وسمح للكثيرين بتبين مقدار الهوة السحيقة التي حفرتها الأحقاد والضغائن بينهما.
فلئن كان يسيرا أن نعرف في النصف الأول من الشهر الماضي اسم الفائز بلقب شخصية العام، الذي منحته مجلة “التايم” الأمريكية كما هو معلوم إلى مجموعة من الصحافيين، كان في مقدمتهم فقيد الصحافة خاشقجي، من دون أن يثير مثل ذلك الاختيار أي قلق أو مشكل، فإنه لم يكن من الممكن أن يحصل الأمر بالطريقة نفسها في ما لو كان منظمون آخرون قد اختاروا طبق العام، وذهبت ترشيحاتهم إلى طبق من المغرب العربي هو الكسكس، والسبب هو أن هناك اكثر من جهة كانت ستنازع في ملكية الأكلة الأكثر شهرة في البلدان المغاربية، وتدعي أنها تخصها وحدها، وأن أسلافها هم من اهتدوا بفضل حسن تدبيرهم لصنعها بالشكل الذي صارت معروفة به في أصقاع العالم، وأن لا سبيل ابدا لأن تقبل أو ترضى لكائن من يكون بأن ينسبها لنفسه أو يفصلها عنها مادامت جذورها راسخة في أعماق هويتها.
ولربما هددت تلك الجهة أيضا في باب الدفاع عن قضيتها العادلة تلك بالتصعيد الدبلوماسي، وحتى اللجوء إلى القضاء الدولي أو مجلس الأمن أن لزم الامر.
وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى نوعا من المبالغة والمغالاة، ولكنه ليس للأسف الشديد سوى نزر بسيط مما قد تصله الأمور، لا سمح الله، في حال ما اذا ما استمرت بعض الدوائر الرسمية وشبه الرسمية في المغرب والجزائر في النفخ في قربة وطنية فارغة، صارت تتجسد بنظرها في أي شيء، ولو كان ذلك في طبق كسكسي. ولاشك أن المتحمسين لمعارك الأمعاء والبطون المغاربية المتخمة بحبات الأكلة الأكثر شعبية، قد لا يتورعون أبدا عن فعل أي شيء ولو كان القفز فوق ما تبقى من روابط العرق والدم، التي تجمع البلدين منساقين وراء ذلك المنطق الشوفيني المكشوف، بإطلاق صيحات تحذير كاذب من أن جزءا من ثقافة وتراث بلدهم بصدد التعرض لعمليات سطو ونهب مزعومة، في ما لا يستنكفون كذلك من أن يوجهوا دعواتهم لكل الطهاة في كلا البلدين، ومن ورائهم أيضا كل صناعي وحتى مستهلك عادي لان يكونوا يقظين ومتنبهين إلى أن الطبق الشهير الذي لا يغيب عن بيت مغاربي، لم يعد خاليا تماما من لوثة السياسة، وأنه لن يعود بمقدور أحد أن يزعم مستقبلا وبالثقة نفسها، التي كانت في الماضي على أنه لايزال واحدا من عناصر مادية فوق العد والحصر تجمع شتات الشعوب والأسر المغاربية، بعدما حولته لعبة المصالح الاقليمية لسبب اضافي من اسباب جمة للفرقة والتمزق والانحلال . لكن ألا يبدو غريبا أن تصل الدولتان لمثل ذلك الحد، وينقاد الجانبان إلى مثل تلك الردود الشاذة، مختزلين كل شيء في طبق صار هو الرمز الوطني والثقافي والحضاري لهما، وان يرتبط الحفاظ عليه من التقليد أو حمايته من الاندثار، بفعل العادات الوافدة بهاجس البحث عن اصله وفصله ونسبه وربما شجرته العائلية، إن كانت موجودة، مع كل ما يعكسه مثل ذلك الهوس المجنون من رغبة في الهيمنة وقيادة الإقليم والانغلاق على الذات، ومن رفض بالاعتراف والقبول بالآخر، حتى لو كانت لحقيقة التاريخ والجغرافيا وجهة اخرى مناقضة تماما لذلك؟

إن اي متابع خارجي بعيد عن الإقليم يستطيع أن يحدد أو حتى يتصور حجم الخلافات المغربية الجزائرية ولكن سيصعب عليه بالتأكيد أن يفهم أو يدرك مقدار تأثير طبق الكسكسي على علاقة الجارتين اللدودتين. ولعله سيستعصي عليه أيضا أن يفهم مدلولات المشهد الختامي في الفصل الأخير، الذي جرت وقائعه أواخر العام الماضي، في معرض للإنتاج الوطني في الصناعات الغدائية بالجزائر. فلم يكن من قبيل الصدفة أبدا أن يستعيد رئيس الوزراء الجزائري، وهو يجوب أروقة المعرض ويتذوق طبقا من الكسكسي، كل الخلافات والمشاحنات البيزنطية التي جمعت وتجمع بلاده مع من وصفها بانها “دولة شقيقة وجارة جعلت الكسكسي منتوجها هي فقط في الدنيا” ويستحث بالمقابل همة مواطنيه “ليثبتوا العكس ويظهروا الكسكسي الجزائري” لان الجزائريين لا ينسبون الطبق إليهم، بل يقولون عنه إنه مغاربي على حد تعبيره. ففي ظرف عادي وطبيعي كان سيبدو مثل ذلك التصريح مجرد انزلاق لغوي عابر، أو في أقصى الحالات مبالغة أو إشارة لا تستحق الاهتمام أو التوقف المطول عندها. فكم مرة سمعنا مثلا تصريحات تقترب مما قاله المسؤول الجزائري أو حتى تفوقها حدة تصدر عن مسؤولين ألمان أو فرنسيين في حق بعضهما بعضا، أو حق واحد من بلديهما، لكنها سرعان ما كانت تخبو وتخفت على الفور ولا يبقى لها أي أثر يمكن أن يشوش أو يمس علاقة باريس ببرلين والعكس بالعكس.
أما في حال العلاقات المغربية الجزائرية فالأمر مختلف تماما فالبلدان لا يقودان قاطرة المغرب العربي المعطلة، مثلما يفعل الفرنسيون والالمان داخل الاتحاد الاوروبي بقدر ما يشلانها ويرغمانها على البقاء على جمودها، بفعل مناكفاتهما المستمرة والقضايا والملفات الكثيرة التي مازالت مفتوحة بينهما من دون حسم، والتي قد تبدأ بمعضلة الصحراء ولا تنتهي بمعضلة الكسكسي. والمشكل الحقيقي هو أن مسؤوليهم لا يبدون غالبا ما يخفونه، ولا يجرؤون على أن يعترفوا أمام شعوبهم، على الأقل، على أنهم لا يؤمنون بمغرب واحد، بل يسعون كل من جهته إما للوصول إلى جزائر كبرى أو إلى مغرب كبير. ولعل أكثر الأشياء والقضايا التي تبدو ثانوية وبسيطة كالكسكسي مثلا، هي التي تدعم ذلك وتؤكد على أن التفكير فيما يفرق الجارتين ويجعل كل واحدة منهما تتمايز عن الأخرى يطغى على أي سعي لاستثمار القواسم المشتركة التي تجمعهما، ولو في التخفيف من حدة التوتر الموجود بينهما، وتسهيل حياة ساكنتهما وإحياء الآمال في قرب الوصول لبناء مغرب مشترك. ولأن الشيطان يكمن دائما في التفاصيل مثلما يقول المثل، فإننا نرى بوضوح كيف أن تلك الهوامش الصغيرة هي التي تصب دائما الزيت على نار القضايا الكبيرة وتجعلها مستمرة الاشتعال. ويبدو أنه ما لم يتم إطفاؤها واحدة تلو أخرى، وإزاحتها من طريق العلاقة بين القطبين، فإننا لن نشهد هذا العام تلك الجلسة التي يحلم قسم واسع من المغاربيين أن تجمع قادتهم على طبق كسكسي يكون ختامه اتفاقا شاملا على تسوية كل الملفات العالقة بينهما وبشكل بات لا رجعة فيه.
نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: