أخبار وطنيةمجتمع

تهريب الدواء التونسي.. كوادر طبية تهدد حياة المرضى

فوجئت الدكتورة سميرة مرعي وزيرة الصحة التونسية سابقا، عندما كانت على رأس الوزارة في فيفري /شباط 2017 بنفاد كميات كبيرة من عقار الإنسولين بسرعة منالمستشفيات العمومية والصيدليات، رغم اقتناء الوزارة كميات كبيرة من العلاج تكفي حاجات المرضى لسنة كاملة، ما دعاها إلى الطلب حينها من إدارة التفقد الصيدلي التابعة لوزارة الصحة فتح تحقيق في ما جرى، غير أنه لم يسفر عن الوصول إلى شبكات التهريب المتورطة كما تقول بأسف  وهو ما أكدته المديرة العامة لإدارة الصيدلة بوزارة الصحة بالنيابة ومديرة النهوض بالصادرات الصحية نادية فنينة، التي لاحظت تكرار نفس الأمر منذ فترة، رغم توفر العقار بكميات كبيرة فيالصيدلية المركزية(مؤسسة عمومية تابعة لوزارة الصحة تزود تونس بالأدوية وتحتكر توريدها)، الأمر الذي يرجع إلى عمليات تهريب الإنسولين وغيره من الأدوية المتكررة، ما دعا الإدارة إلى طلب الحد من الكميات التي تمنح للمزودين بالتنسيق مع الصيدلية المركزية كما قالت موضحة أن “من كان يتحصل على 30 ألف علبة إنسولين مثلا، أصبح يتحصل على 10 آلاف علبة فقط، في محاولة لقطع الطريق أمام المهربين”.
ما أسباب نقص الأدوية؟
تهرب عقاقير الإنسولين وعلاج الغدة الدرقية والسرطان وأدوية علاج ضغط الدم وأمراض القلب والشرايين والكولسترول المدعمة وفق حصر المديرة فنينة، التي أكدت أن أسعار هذه الأدوية المنخفضة التي تتراوح ما بين دينار تونسي (حوالي 0.34 دولار أميركي) وألف دينار (337 دولارا) لبعض أدوية الأمراض السرطانية مقارنة بدول الجوار جعلت المهربين يستهدفونها كما أوضحت، وهو ما تؤيده نائبة رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك (منظمة غير حكومية)، ثريا التباسي قائلة  “أجرينا استبيانا خلال شهري ماي/أيار ويونيو/حزيران الماضيين شمل 19 محافظة، تبين من خلاله أن نقص الأدوية يعود إلى التهريب، إذ إن ولاية المنستير، سجلت نقصا بنسبة 40 بالمائة في أدوية  مرض السكري وعلى رأسها الإنسولين وسجلت ولايتا باجة وبنزرت نقصا في ذات الدواء بنسبة 28 بالمائة كما تعاني ولاية القصرين من نقص بـنسبة 59 بالمائة في المضادات الحيوية فيما تسجل ولاية سوسة نقصا بـ 48 بالمائة في هذه الأدوية”.

كما تقول التباسي موضحة أنه تم اقتناء ما يزيد عن حاجة تونس بنسبة 40 بالمائة ولكنها سرعان ما نفدت من الأسواق ما جعل ولاية القيروان تعاني من نقص فادح بنسبة 35 بالمائة منها، خاصة أن سعرها يقل عن البلدان الأوروبية 10 مرات، وفق إفادة نائبة رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك التي أكدت أن “الجميع يعلمون أن النقص يعود أساسا إلى تهريب الأدوية خارج حدود البلاد في اتجاه دول شقيقة وبصفة خاصة في مدن الجنوب التونسي والمناطق الحدودية”.

وبسبب نقص الدواء وبعض المستلزمات الضرورية في العمليات الجراحية، تضاعفت حالة من الخوف لدى المرضى خاصة ممن حياتهم في خطر وبحاجة ماسة لبعض الأدوية، إذ رصدت منظمة الدفاع عن المستهلك نحو 30 دواء مفقودا من الصيدليات كما تابعت التباسي، مضيفة: “المواطنون لا يرفعون دعاوى لأن الأزمة عامة والأطراف متداخلة والتبريرات عديدة وبالتالي لا بد من قرارات عاجلة”.

شبكات متخصصة بالتهريب
يؤكد التباين الواضح في معدلات الاستهلاك وجود عمليات تهريب كبرى للأدوية داخل بعض الولايات، إذ إن معدل استهلاك الأدوية زاد بنسبة 11 بالمائة خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2017، لكن تضاعفت هذه النسبة 3 مرات عن المعدل الوطني في خمس ولايات حدودية غربية وجنوبية وهي “مدنين وتوزر وقفصة والقصرين وتطاوين والكاف”، بالإضافة لولايتي سوسة وصفاقس، بينما لم تتعد النسبة في ولايات “بن عروس ومنوبة ونابل” 5 بالمائة بحسب تأكيد الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية أيمن المكي والذي قال لـ”العربي الجديد”، إن “حجم استهلاك الأدوية في الصيدلية المركزية بلغ 88.4 مليون وحدة بقيمة 900.7 مليون دينار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2017 لكنه بلغ 80.5 مليون وحدة بقيمة 916.8 مليون دينار خلال نفس الفترة من 2018 ورغم أن الحجم قل، إلا أن تكلفة الدعم زادت بحوالي 17 مليون دينار”.
وتعيد الوزيرة مرعي نقص واختفاء الأدوية إلى شبكات التهريب كما تقول موضحة أنهم “تفطنوا في أكتوبر/تشرين الأول 2017 إلى شبكة تهريب للأدوية، قادها ناظر مستشفى بمحافظة سليانة شمال غرب تونس، ثبت أنه كان يتلاعب بالمعطيات المسجلة على حاسوب المستشفى ويغير من بيانات اقتناء الأدوية ويتولى لاحقا تهريبها وبيعها، وهو ما يؤكده وزير الصحة السابق عماد الحمامي، الذي قال “يتم الكشف بشكل دائم عن لوبيات تهريب الأدوية، يوجد تلاعب كبير، وهناك أطباء وصيادلة متورطون”، مضيفا في تصريح لإذاعة موزاييك في 26 ي جويلية تموز 2018، بأن هناك تباينا في نسبة استهلاك الأدوية بين الولايات إذ سجل المعدل في المناطق الحدودية ارتفاعا بنسبة 30 بالمائة في استهلاك الأدوية، مرجحا أن إجمالي المبلغ المفقود بسبب التهريب يصل إلى 400 مليون دينار (135 مليون دولار).

ويتم تهريب الأدوية عبر الحدود التونسية الليبية، بعد التزود بها من باعة الجملة بالجنوب، أو عن طريق الحدود التونسية الجزائرية مرورا بجندوبة وغار الدماء أقصى الشمال الغربي بحسب تأكيد المختص بالأمراض الصدرية والحساسية بالقطاع الخاص، والأمين العام لحزب الاتحاد الشعبي الجمهوري الدكتور لطفي المرايحي” والذي سبق له الكشف عن ملفات فساد في قطاع الصحة منها قضية اللوالب القلبية منتهية الصلاحية والبنج الفاسد في أغسطس/آب 2016.

ويفسر الدكتور المرايحي سبب ارتفاع الاستهلاك في الجنوب التونسي إلى الإقبال المتزايد من دول الجوار، ففي ليبيا يفضلون الدواء التونسي لأنه أقل كلفة قائلا “السرقات تنقسم إلى صنفين الأولى صغرى تتم عن طريق بعض الأعوان داخل المستشفيات وهي عادة ما تكون بكميات محدودة، وسرقات كبرى منظمة تتم عن طريق شبكات كبرى قد تكون محلية، أو أجنبية تتولى اقتناء الأدوية من المزودين ومن عديد الصيدليات وتجميعها ثم تهريبها”، ويتفق رئيس المجلس الوطني لهيئة الصيادلة الشاذلي فندر مع الطبيب المرابحي في نوعي عمليات جمع الأدوية لتهريبها لكنه أضاف إلى ما سبق شبكات من نوع آخر تتولى التزود بكميات صغيرة من الأدوية من عدد من الصيدليات، لكي لا تثير الشكوك ثم تتولى تجميعها وتخزينها في مستودعات خاصة في انتظار عملية تهريبها عبر الحدود والمسالك الوعرة، وهو ما يؤكده المكي، مشيرا إلى أن عمليات التهريب تتم إلى ليبيا، مؤكدا على أنه تمت إحالة عشرات الأعوان على مجلس التأديب خلال العام 2018 بمعدل عون أو اثنين كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، مضيفا أن سرقة الأدوية داخل الصيدلية المركزية في تقلص مستمر، ولم يرصد خلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي أي حالة سرقة بسبب تكثيف الرقابة.

أرباح طائلة
أحيل 15 صيدليا إلى مجلس التأديب التابع للهيئة الوطنية للصيادلة بسبب تورطهم في تهريب الأدوية إلى ليبيا في عام 2018 كما يقول الشاذلي فندر، مؤكدا أن المدانين تنتظرهم عقوبات تصل إلى الشطب من جدول الصيادلة والحرمان من ممارسة المهنة.

وتختص الصيدلية المركزية دون غيرها بتوريد الأدوية، وتزويد السوق التونسية بصفة منتظمة بالأدوية المستوردة وأيضا توزيع المواد اللازمة في ميدان الطب البشري والبيطرية على مختلف الهيئات الصحية العمومية وشبه العمومية والخاصة بحسب القانون المتعلق بالصيدلية المركزية للبلاد التونسية عدد 105 لسنة 1990.

ويعود تهريب الأدوية إلى الحاجة المتزايدة له، وإلى منظومة الدعم في تونس التي جعلت سعر الأدوية أقل مقارنة ببلدان الجوار كـ”ليبيا، والجزائر، والمغرب” وفق تأكيد رئيس النقابة العامة لأصحاب الصيدليات الخاصة مصطفى العروسي، والذي قال لـ”العربي الجديد”، إن 86 بالمائة من التونسيين يتمتعون بالتغطية الصحية، ويوجد نحو 2200 صيدلية في تونس موزعة على كامل تراب الجمهورية، مشيرا إلى أن الدواء المدعم، بدلا من ذهابه إلى مستحقيه، يذهب لمرضى أجانب ينتفعون به، كما يقول.

وتقدر تكلفة استهلاك الأدوية في تونس سنويا بـ 517 مليون دولار (باحتساب رقم المعاملات)، ويتم استيراد 54 بالمائة من الأدوية بدعم حكومي يقدر بـ 100 مليون دينار وفق تأكيد طارق بن جازية المدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك التابع لوزارة التجارة والذي قال لـ”العربي الجديد”، أن 65 موزعا يتولون تأمين عمليات التزويد بالأدوية، إلى جانب 38 مصنعا مختصا في صناعة الأدوية كما يقول.

ويؤكد كاتب عام نقابة الصحة (الأمين العام للنقابة) عثمان الجلولي، لـ”العربي الجديد” أن التهريب تحول إلى تجارة مربحة إذ إن حقنة واحدة من بعض أدوية السرطان الغالية، يبلغ سعرها في تونس ألف دينار (337 دولارا) قد توفر للمهربين مليون دينار (338 ألف دولار) إذا تمت سرقة 100 حقنة وتهريبها وهو ما يجعلها مستهدفة بالتهريب، بينما يبحث عنها المرضى التونسيون الذين لم يرحم المهربون حاجاتهم ومرضهم الشديد.

بسمة بركات
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: