اهم الاخبارمقالات

لماذا لا يراجع السعوديون موقفهم من تونس؟

ربما فعلوها مضطرين في مسائل وملفات أخرى تخص مناطق قريبة منهم كالجارة اليمنية المنكوبة مثلا، لكن ما الذي يمكنه أن يجبرهم على الإقدام عليها وبمحض إرادتهم في بلد ليس على حدودهم مثل تونس؟ ومن من قوى العالم الحر سيهتم أصلا بمصير تجربة ديمقراطية عربية لا يرتاح لها الشقيق قبل الصديق، ويمارس كل نفوذه للضغط على السعوديين حتى يكفوا أيديهم وأموالهم عنها؟ لقد حصلت في ظرف أسبوعين فقط حركتان رمزيتان أعطتا انطباعا واهما على أن العلاقات السعودية التونسية التي طالما عاشت حالات جمود وركود ملحوظة، ستدخل في القريب مرحلة أخرى قد تختلف ولو شكليا عن سابقتها.
في الأولى زار ولي العهد السعودي في السابع والعشرين من الشهر الماضي تونس، ما أثار موجة من الاستنكار الواسع. أما في الثانية فقصد رئيس الحكومة التونسية قبل أيام الرياض بشكل مفاجئ. ورغم أن مظاهر الرفض والاحتجاج الأهلي غطت على الحركة الأولى، أي زيارة بن سلمان التي لم تتجاوز بضع ساعات لا غير، فإن علامات الصمت الشعبي شبه المطبق رافقت بالمقابل زيارة يوسف الشاهد التي استغرقت ثلاثة ايام بالتمام والكمال. وهذا ما طرح أكثر من نقطة استفهام داخل بلد كانت «الواشنطن بوست» قد قالت عنه قبل اسابيع قليلة فقط إنه «قدم دروسا ليس فقط لجيرانه، بل ايضا للولايات المتحدة واوروبا حول كيفية التعامل مع اصحاب السلطة من امثال محمد بن سلمان عن طريق النقد والمساءلة والإيمان بالعدالة، على الرغم من طول الطريق».
فعلى افتراض أن مثل ذلك النقد وتلك المساءلة كانا موجودين بالفعل عند الاستقبال، فلماذا غابا إذن في حالة الاستجابة التونسية للدعوة السعودية؟ لقد كان غريبا حقا أن لا تتحرك ولو شعرة واحدة لكل تلك الجمعيات والمنظمات التي احتجت على قدوم بن سلمان لتونس، ووصفته حينها بالقاتل، ولم تجد حاجة للتعليق على زيارة رئيس حكومة تونسية للملكة في هذا الظرف بالذات «تلبية لدعوة تلقاها من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي زار تونس قبل نحو أسبوعين ضمن جولة عربية.. وفي إطار دفع العلاقات الثنائية بين البلدين إلى آفاق أوسع وأرحب» مثلما جاء في نص البيان الصادر عن رئاسة الحكومة. فهل كان قدوم القاتل للبيت فعلا شنيعا والذهاب لبيته بركة وفضيلة؟ أم أن المواقف والمبادئ تتبدل هي ايضا بحسب الوقت والمكان؟

لعل التركيز الإعلامي الواسع على قدوم بن سلمان إلى تونس كان بمثابة الشجرة التي حجبت باقي الغابة، فالسؤال الحقيقي الذي لم يطرحه التونسيون حينها، لم يكن فقط هل أن قبول ولي العهد ببلدهم سيكون طعنة أخرى لثورتهم؟ أم لا؟ بل كان كيف يمكنهم أن يتصوروا مستقبل علاقاتهم بالمملكة، وهل أنه كان ممكنا لجريمة قتل خاشقجي، وما أفرزته من معطيات جديدة داخل المشهد السعودي والإقليمي والدولي، أن تدفع السعوديين لمراجعة موقفهم من بلد لم يظهروا حماسة أو ترحيبا بالتحولات التي طرأت عليه قبل نحو ثماني سنوات من الآن؟ لقد رأوا جيدا كيف استقبل الباجي قائد السبسي ولي العهد السعودي بحفاوة وحميمية، جعلت الاخير يقول إنه يعتبره بمثابة والده، وكيف أن رئيس الحكومة الذي حضر الاستقبال، ثم التقى بن سلمان لوقت قصير، لم يظهر بالمقابل اي علامة ارتياح للضيف ثقيل الظل. ولكن هل كانت السياسة الخارجية التونسية بالفعل صنيعة الرئيس وحده، مثلما يفترض الدستور ذلك؟ وهل أن قائد السبسي كان يتصرف حينها بمعزل عن الحكومة، أو حتى عن ضوء أخضر من حركة النهضة التي تمتلك الكتلة الاكبر في البرلمان؟ لعل الجواب لم يتأخر أكثر من أسبوعين كانا كافيين ليرى الجميع يوسف الشاهد وهو يدخل قصر الدرعية مرفوقا بوفد وزاري يضم وزير التعاون الدولي والاستثمار، وهو في الوقت نفسه أمين عام حركة النهضة.
وهو ما يدعم عمليا فرضية ارتباط الزيارتين ببعضهما بعضا. ورغم أن بعض مرافقي الأمير السعودي اختاروا البقاء بتونس حين غادرها في ختام زيارته القصيرة، ما أجج مخاوف من أن يكون سبب بقائهم التخطيط لعمل انقلابي أو تخريبي بات أكثر من طرف يتوقع حصوله في الأيام المقبلة، إلا أن السرعة التي تمت بها زيارة الشاهد كانت بغض النظر عن ذلك لافتة للانتباه.
فهل كان من المعقول أن يكون خروج الشاهد في مثل ذلك الظرف الصعب الذي تمر به بلاده، وما تواجهه حكومته من تهديدات مجرد استجابة عابرة لدعوة وجهها له ولي العهد السعودي لزيارة السعودية، مثلما ورد في البيان الحكومي الرسمي؟ ألم يكن ممكنا له مثلا تأجيلها لموعد لاحق تكون فيه أوضاع بلاده أفضل مما هي عليه الآن؟
ثم هل كان من باب الصدفة أن يحل وزير الخارجية التونسي بالسعودية قبل ايام قليلة من زيارة رئيس الحكومة بدعوى تقديمه دعوة رسمية للعاهل السعودي للمشاركة في القمة العربية المرتقبة العام المقبل بتونس؟
الشيء المؤكد هو أن استقبال ولي العهد السعودي لم يكن مبادرة فردية أقدم عليها الرئيس من تلقاء نفسه، فمن المرجح أن دوائر مقربة من الملك سلمان وليس من ولي العهد هي التي طلبت منه ذلك. وكان العرض واضحا وهو تثبيت الصورة المهزوزة لمحمد بن سلمان مقابل وعد بإعادة النظر في علاقات المملكة بتونس. ولأن ربط الزيارة بالمساعدات أو الاستثمارات السعودية لم يكن بالامر المناسب بالنسبة للطرف التونسي على الاقل، فقد تم الاتفاق على أن يحصل ذلك في وقت لاحق. لكن يبقى الاهم هو ما الذي يريده السعوديون بالضبط؟ وهل أنهم يرغبون حقا بفتح صفحة جديدة مع ديمقراطية عربية فعلوا المستحيل لخنقها؟
إن الإشكال الحقيقي يكمن في تصورهم لطبيعة النظام العالمي، فهم يرون أنه اذا كان بمقدورهم أن يشتروا بأموالهم وصفقاتهم صمت الديمقراطيات العتيدة على جرائمهم وخروقاتهم، فلا شيء يمنعهم إذن من أن يفعلوا الأمر نفسه وبثمن أقل مع ديمقراطية غضة لا تزال تتحسس خطواتها الأولى. وليس هناك شك في انهم يعتبرون أن نماء تلك الديمقراطية ونجاحها لن يكون بأي حال في صالحهم، وأنه قد يفتح باب انتقال عدوى التغيير الحقيقي في وقت ما إلى ديارهم. ولأجل ذلك فكل ما يريدونه هو ربح الوقت وتجميل صورتهم والنأي بأنفسهم أمام الرأي العام المحلي والدولي عن محاولات الإطاحة بتلك الديمقراطية. إنهم يريدون أن يقولوا للعالم أن لا مشكل لهم مع ذلك البلد العربي الصغير وانهم صاروا يقبلون حتى بوجود إسلامييه في السلطة. ولكن هل أن التلميحات أو حتى الاقوال تكفي وحدها أو تعني انهم قد يغيرون مواقفهم جذريا؟ لقد قامت قيامة السعوديين حين ربط الشيخ الغنوشي بين مقتل خاشقجي واحتراق البوعزيزي، فيما لزموا الصمت التام على إدانة مجلس الشيوخ الامريكي لولي العهد واتهامه مباشرة بالوقوف وراء الجريمة. وهم فعلوا ذلك ليس فقط لانهم يرون ان «ضرب الحبيب زي أكل الزبيب» بل لانهم يعتقدون بالفعل أن لاشيء يضطرهم لتعديل مواقفهم من ديمقراطية عربية يرفضونها اليوم وغدا.

نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: