أخبار وطنيةاهم الاخبار

تونس.. سترات حمراء وإضراب عام

لم تعد المظاهرات، ولا الاحتجاجات عملا عفويا في تونس ما بعد الثورة، فكل ما يجري على الأرض، يخضع لحسابات، ويستجيب لأوامر وإملاءات، ويستهدف تحقيق غايات تختلف بحسب الأطراف التي تنفق على هذه التحركات.
شهدت تونس، في سنة 2013، اعتصاما وحشدا للجمهور من أطرافٍ سياسية ترفع يافطات شتى، فالتحالف الذي ظهر في تلك الأيام، وضم بقايا النظام السابق المتحلقين حول الباجي قائد السبسي وحزبه نداء تونس، بالإضافة إلى مجموعات اليسار المنتمين إلى الجبهة الشعبية، ولوبيات إعلامية واقتصادية، نظم اعتصاما قبالة مقر مجلس النواب، عُرف تحت اسم “اعتصام  باردو”، وانتهت التجاذبات بين حكومة الترويكا وهذه القوى المعتصمة بتشكيل حكومةٍ انتقاليةٍ، نظمت انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2014. وعلى الرغم من فوز “نداء تونس” في الانتخابات، واحتلاله الرئاسات الثلاث، فإن ما جرى لاحقا كان خلافا لتقديرات معتصمي باردو، حيث ظهر إلى العلن الاتفاق الخفي الذي كان قائما بين الرئيس الباجي السبسي وزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، وأفضى إلى تحالف حكومي جديد.
يحاول السبسي اليوم، من جديد، تجميع فرقاء الماضي، وتحت الشعار نفسه، وهو محاصرة حزب النهضة، وقطع الطريق عليه، لعبة تبدو متكرّرة. ويتذكّر الشارع التونسي تفاصيلها، غير أن الجديد، هذه المرة، هو ما شهده المشهد السياسي من تبدل للمواقع وتغير للتحالفات. فالأزمة الحاصلة اليوم تكمن في ما جرى في حزب نداء تونس، وظهور زعامة جديدة، ممثلة في رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، الذي استطاع أن يستميل الكتلة الأساسية لنواب هذا الحزب، ووراثة الحلف القائم مع “النهضة”، ما أفقد الرئيس السبسي كل أوراقه السلطوية، ودفعه إلى المرور إلى خطة أخرى من أجل انتزاع السلطة لولده هذه المرة، ومن خلال حسابات جديدة.
بالتوازي مع الصراع السياسي والقصف الإعلامي المتبادل، تتسارع استعدادات الأطراف المتحالفة مع رئيس البلاد، لتحركاتٍ في الشارع، تحت شعار السترات الحمراء (نقلا عن النموذج الفرنسي)، وصولا إلى يوم الإضراب العام الذي قرّره الاتحاد العام التونسي للشغل ليوم 17جانفي/ كانون الثاني المقبل، والمعروف أن المنظمة النقابية تخوض صراعا ضد رئيس الحكومة الحالي، وترغب في إطاحته. وفي ظل هذا السياق المتصاعد للأزمة، تشير المواقع الإعلامية القريبة من حزب النهضة، ومن رئيس الحكومة، إلى ما تعتبرها تحرّكات مريبة، عرفتها تونس أخيرا، على خلفية زيارة رجل الأعمال وأحد عرّابي الانقلاب في مصر، نجيب ساويرس، تونس، واستقباله في قصر الرئاسة، واجتماعه مع قيادات حزب نداء تونس، شق حافظ قائد السبسي نجل الرئيس، والاستقبال الذي حظي به ولي عهد السعودي، محمد بن سلمان، على الرغم من ردود الفعل الشعبية الواسعة الرافضة للزيارة، وهو ما يثير نقاط استفهام عديدة بشأن طبيعة الاصطفاف الذي يجري في البلاد وامتداداته الإقليمية، خصوصا في ظل انزعاج الأنظمة المناوئة للثورة التونسية من استمرارية الانتقال الديمقراطي في البلاد، وسعيها المعلن إلى إجهاضه بأشكال شتى.
من المعلوم أن أي حراك سياسي يوظف الشارع في الصراع يهدف إلى غاية محدّدة، ولا يمكن تصور أن المقصود مما يجري المطالبة بحل سياسي، من خلال الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، خصوصا وأن الانتخابات النيابية والرئاسية ستُنجز في غضون شهور قليلة. وفي ظل ما تكشف عنه أخيرا استطلاعات الرأي التي تمنح تفوقا لرئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، في أي انتخابات رئاسية مقبلة في مواجهة الباجي قائد السبسي، وهو ما يعني أن حصول الانتخابات في وقتها لن تكون بالقطع لمصلحة الرئيس الحالي. فهل يمكن القول إن ما يجري خطوة لقطع الطريق على الانتخابات أو تأجيلها، في انتظار إعادة تشكيل المشهد السياسي العام، بما يسمح باستمرارية السبسي في منصب الرئاسة، وتحجيم نفوذ حركة النهضة؟
لا يمكن الإجابة بصورة قطعية عن السؤال، لكن الأكيد أن تونس مقبلة على شتاء سياسي ساخن، يتقاطع فيه الإقليمي مع الوطني والمطلبي النقابي مع السياسي الحزبي، في ظل حالة عزوف متزايدة عن فوضى الأحزاب، يعرفها الشارع التونسي.
سمير حمدي
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: