اهم الاخبارمقالات

هل ظهرت علامات الساعة في تونس؟

لم يعد حديثا فارغا أو محض تهيوءات وخيالات مغشوشة، بل صار بنظرهم علامة من علامات اقتراب ساعة الديمقراطية التونسية. ورغم أن «صانع التغيير» كما كان يحلو له أن يلقب، مات سياسيا بعد أكثر من عقدين كاملين من انقلابه المخملي على بورقيبة، وحكمه الفردي لتونس، ولم يعد سوى لاجئ منبوذ، يتخفى جاهدا عن الأنظار داخل قصر من قصور آل سعود المغمورة، إلا أن توقعات بعض التونسيين بقرب ولادة ابن له ليس من صلبه ولا من سلالته أو حتى من جيله، ولا هو ايضا بالعسكري مثله، صارت تشير إلى أن قيامة الديمقراطية قد تكون مسألة أيام فقط، وأن المجال أصبح مفتوحا لانقلاب مخملي آخر ينقض فيه «البطل المنقذ» على التجربة برمتها، مطلقا صافرة النهاية للحريات، ومعيدا عقارب الساعة إلى الوراء، تحت مبرر الحفاظ على الامن والاستقرار وحماية الوطن من التهديدات التي تحدق به. ولعل ما أجج مخاوف ذلك الشق من التونسيين بالذات هو وجود بعض التقاطعات بين مسيرة الصعود الصاروخي لزين العابدين بن علي إلى قمة هرم السلطة في عهد الرئيس الراحل بورقيبة، ومسيرة الترقي اللافت والمفاجئ للرجل القوي الآن، اي ليوسف الشاهد، زمن الرئيس الحالي قائد السبسي في المناصب الرسمية، وصولا إلى رئاسة الحكومة، بالاضافة إلى ما صار يتكشف يوما بعد اخر عن طموحات الشاهد ونواياه في أن يكون مرشحا بارزا لرئاسيات العام المقبل، وما أفرزته مواجهته الاخيرة مع الرئيس قائد السبسي من ارتفاع لأسهمه، مقابل انحدار اسهم الرئيس. لكن هل أن وجه الشبه النسبي بين منطلقات الرجلين سيفضي حتما إلى المسارات أوحتى النهايات نفسها؟ وهل يمكن أن يكون بالفعل علامة من علامات دنو ساعة الديمقراطية، لمجرد أنه صادف وحصل نوع من التطابق الظرفي بين المسيرتين؟ ثم هل أننا سنشهد حقا تكرر السيناريو ذاته في نسخة معدلة، ربما بطريقة أقل حدة وصدامية من الأصلية التي ظهرت في سنوات الديكتاتورية، بكل ما حملته معها من آلام وأهوال وجرائم قذرة ومريعة؟ لعل بعض من عايش السنوات الاخيرة من حكم بورقيبة ردد حين شاهد منذ أيام على شاشات التلفزيون، لحظات الانتصار الكاسح للشاب الهادئ، الذي لم تكن تبدو عليه علامات النباهة أو الحنكة السياسية، التي على معلمه العجوز المخضرم، الذي تقلب على مدى اكثر من نصف قرن من حياته في المناصب الحكومية العليا، إلى أن تربع في اواخر عقده الثامن على كرسي قرطاج، تلك المقولة الشهيرة «ما اشبه اليوم بالبارحة». ولكن هل كان بإمكان أحد أن يجزم، أن نهاية عملية لي الذراع الطويلة بين الرئاستين في قرطاج والقصبة، بذلك الشكل الهادئ والمتحضر الذي حصلت به الاثنين قبل الماضي، أي بالتصويت البرلماني الذي أدى عمليا لترجيح كفة رئيس الحكومة الشاب، على كفة رئيس الدولة العجوز، كانت بالفعل انقلابا دستوريا شبيها إلى حد كبير بالانقلاب الطبي الذي قاده بن علي اواخر الثمانينيات على الزعيم، بدعوى أن «الواجب الوطني يفرض علينا اليوم أمام طول شيخوخته واستفحال مرضه، أن نعلن اعتمادا على تقرير طبي أنه أصبح عاجزا تماما عن الاضطلاع بمهام رئاسة الجمهورية» مثلما جاء حينها في بيان الانقلاب؟ لقد سمع يوسف الشاهد في جلسة المصادقة البرلمانية على تعديله الوزاري الاخير، بعضا من تلك المقارنات المباشرة بينه وبين اخر رئيس وزراء لاول رئيس لتونس. وربما كانت النائبة سامية عبو واحدة ممن قالتها له وبوضوح تام «لقد جلب بورقيبة بن علي وصعّده في ظرف وجيز إلى هرم السلطة، ثم انقلب عليه. وجلبك قائد السبسي وصعدك في ظرف وجيز ايضا إلى هرم السلطة، وأنت لست أهلا لذلك فانقلبت بدورك عليه»، لكن حتى لو كانت ليوسف الشاهد أحلام أو طموحات في البقاء طويلا على رأس السلطة، وربما الترشح لرئاسيات العام المقبل مثلا، وهو الامر المشروع الذي لن يستطيع أحد أن يجادله فيه، فهل أن الظرف الحالي المحلي والإقليمي سيتيح له بأن يصبح بالفعل بن علي آخر؟ وهل أن التونسيين الذين ضاقوا ذرعا بخصومات السياسيين وهرجهم ومرجهم وانفلاتاتهم وحروبهم البيزنطية التي لا تنتهي سيخربون بيوتهم بايديهم، وسيسمحون في لحظة طيش أو انفعال أو يأس وإحباط من محصول الديمقراطية، بان يولد بينهم ديكتاتور جديد يدوس بجزمته على كل الحريات التي حصلوا عليها ولم يستشعروا إلى الآن أي طائل منها، مقابل أن يمنحهم حزمة من الوعود السخية بالخير العميم والرفاه والأمان والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي؟ لا يبدو ان مثل ذلك التصور سيتحقق بذلك الشكل من السهولة والبساطة، ليس فقط لأن الشاهد نفسه لن يكون مستعدا أبدا لتحمل تبعات وصمة الانقلاب التي ستلحق به باكرا، إن هو غيّر مواقفه مئة وثمانين درجة، وتنكر لكل ما كان يعيده ويكرره اكثر من مرة، كان آخرها في خطابه الاثنين قبل الماضي أمام البرلمان من أننا «ديمقراطيون لا نحب الانقلابات لا الناعمة ولا الخشنة»، وأن احترام الدستور «خيارنا ومنهجنا»، بل لان تونس اليوم لم تعد رغم كل السلبيات والنقائص التي مازالت موجودة فيها هي تونس الثمانينات. فليس هناك الان رجل واحد عكس ما كان موجودا في ذلك الزمن، باستطاعته أن يقرر منفردا فينفذ الباقون على الفور قراراته من دون جدل أو نقاش. لقد انتزعت تماما تلك المخالب والأنياب التي كانت تجعل من بورقيبة ثم من بن علي شبه إلهين فوق كل مساءلة أو نقد وصارت طبيعة النظام التونسي تمنع اي استحواذ أو انفراد مطلق بالسلطة، رغم أن المؤسسات الدستورية التي تحمي الديمقراطية وتحصنها، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية لم تستكمل بعد. كما أن صناعة بن علي آخر لم تعد مجدية ومفيدة في الحفاظ على مصالح الاطراف الاقليمية والدولية في تونس. فمن الواضح أن أوروبا وامريكا ليستا بحاجة الان لشرطي تونسي جديد، يقمع شعبه ويبدد خيراته وثرواته، ويعتبر البلد مزرعته الخاصة بقدر ما تحتاجان بالفعل لنظام ليبرالي يحمي ويكرس الانفتاح التقليدي عليهما ولا يتصادم في الوقت نفسه مع تطلعات شعبه وحرياته، ويكون بذلك النموذج المثالي للتسويق عربيا واسلاميا في المنطقة. وبهذا المعنى يقدم التوافق أو التعايش الثنائي القائم حاليا بين القطبين الكبيرين، أي بين النظام القديم من جهة والاسلاميين من الجهة المقابلة على أنه الصيغة الواقعية المثلى لصد أي محاولة للاستفراد بالسلطة أو لتمهيد الطريق امام ظهور محتمل لابن علي آخر، لأنه سيقود عاجلا أم آجلا لاستكمال تجربة ديمقراطية غضة يتربص بها اعداء الداخل والخارج باخف الاضرار والتكاليف الممكنة. لكن ذلك لن يعني ابدا انه ينبغي على التونسيين أن يطمئنوا نهائيا إلى انهم قد طووا والى الابد صفحة بن علي فالتحسب من ولادة خلف له يبقى ضروريا مهما لاحت سنوات هروبه إلى المنفى السعودي، وعقود انقلابه وحكمه الفردي لمعظمهم مع الايام بقايا ذكريات مريرة وبعيدة.

 نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: