اهم الاخبارمقالات

بن سلمان انتهى… حتى لو لم ينتهِ

الوصف الدقيق الذي ينطبق على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اليوم هو أنه انتهى. أيًّا كان الموقف المرتقب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص جريمة تصفية الصحافي جمال خاشقجي، بن سلمان انتهى. ربما سيستمر في منصبه بعد ان يخرج من هذا المأزق، لكنه سيواصل الحكم منتهيا، مُحرَجًا، منزوع القوة الأخلاقية وبلا ثقة فيه، محليا ودوليا. سيواصل حياته العامة، إن واصلها، ملاحَقا بصورة واسم خاشقجي إلى آخر أيام عمره.
بعد قرابة شهرين من تصفية خاشقجي، لم تنجح محاولات انقاذ بن سلمان. كما لم تنجح محاولات تحميله المسؤولية. لكن شبهة التهمة، في حالته، أقوى من قرينة البراءة وأكثر ضررا. كانت محاولات دبلوماسية وسياسية وإعلامية قوية لإنقاذه، لكنه كلما ظن أنه نجا من حلقة، حاصرته أخرى. كانت أسابيع مليئة بالإخفاقات من الجانب السعودي إلى درجة تثير الرثاء.
الإخفاقات تعود في جانب مهم منها إلى كون الجريمة أكبر من أي محاولة للتستر عليها، مهما كان الذي يحاول ومهما كانت إمكاناته. وتعود الاخفاقات أيضا إلى كون التعاطي السعودي مع الجريمة، منذ ساعاتها الأولى، كان كارثيا ومضحكا أحيانا. وكان فاشلا لا يضاهيه في الفشل إلا تنفيذ الجريمة ذاتها.
هل سيتخلى الغرب عن بن سلمان؟ من الخطأ الاعتقاد بأن الجواب لا. هذا الغرب تخلى عن الرئيس المصري السابق حسني مبارك في غضون أيام، وتخلى عن خلفه محمد مرسي في لحظات. وقبلهما تخلى عن زين العابدين بن علي ورمى العقيد معمر القذافي إلى أعدائه على الرغم من أنه أمضى السنوات الأخيرة من عمره يمنح الغرب ما شاء من التنازلات.
العلاقات الأمريكية السعودية عمرها سبعة عقود تجاوزت خلالها أزمتين كبيرتين على الأقل، حرب 1973 بين العرب واسرائيل وهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. لقد عمَّرت هذه العلاقات كل هذه المدة وتجاوزت الأزمات التي اعترضتها، لأنها عميقة واستراتيجية وقائمة بين دولتين، بغض النظر عمن يحكم هنا وهناك. لكن الأمر تغيَّر مع الملك سلمان وولي عهده (نجله) من جهة، والرئيس ترامب وصهره جاريد كوشنِر من جهة ثانية. هؤلاء جميعا تعمدوا تحويلها إلى علاقة بين أشخاص وعائلات. وواضح أن ولي العهد السعودي ومستشاريه ومريديه على كل المستويات هم من عززوا هذا التوجه وروَّجوا لفكرة أن البيت الأبيض في جيب بن سلمان. كان هذا الانطباع يثير الشعور بالزهو لدى ولي العهد وهو يدير شؤون بلاده بخليط من الغرور وانعدام الخبرة.

في المقابل ساد الاعتقاد بين آل ترمب بأنهم عثروا على الرجل المعجزة الذي سيفتح لهم أبواب السعودية والشرق الأوسط، خصوصا في وجود عرّاب اسمه محمد بن زايد على رأس دولة الإمارات. كانت نقطة تفوقه على الآخرين من آل سعود أنه جاهز ليُسهِّل اندماج إسرائيل في محيطها بلا مقابل تقريبا. كان هو الرجل الذي انتظرته إسرائيل طويلا. حَلمَ ترامب بأن يكرّس مكانة له بين اللوبيات اليهودية في أمريكا، ويسدي خدمة لزوج ابنته البكر، فوجد في بن سلمان الجسر الذي يقوده لهاته الانجازات. كان زواجا مصلحيا مربحا للطرفين. سار كل شيء على ما يرام إلى أن قرر «الرجل المعجزة» (أو تبنى) تصفية خاشقجي بتلك الطريقة البشعة والبدائية.
اقتربت جدا اللحظة التي سيسأل فيها ترامب مساعديه: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على مصالحها وعلاقاتها مع السعودية من دون محمد بن سلمان؟ الجواب بنعم سيفتح له باب التفكير، وربما التخطيط، في التخلص من الرجل. والجواب بلا سيجعله يبدأ التفكير في ذريعة تحمي ابن سلمان أسابيع أخرى ليسوِّقها للعالم.
أيًّا كان الجواب، انتهى ابن سلمان. لا يمكن لرجل عاش كل هذه الضغوط وحامت من حوله كل هذه الشبهات والظنون بالقتل الوحشي أن يمضي في إدارة بلد بحجم السعودية كأن شيئا لم يكن! لقد أصبح الرجل عبئا على عائلته وبلده وأصدقاء بلده. في بلدان أخرى يتنحى من قرارة نفسه مدفوعا بالفضيحة.
حتى فرضية أن إسرائيل لن تفرّط فيه قد لا تصمد طويلا لأن إسرائيل لن تربط مصيرها برجل غريب. والأهم أن السياقين الإقليمي والدولي يجعلان إسرائيل في غنى عن العرب وتطبيعهم. لا أحد اليوم يستطيع أن يأخذ شيئا من إسرائيل. أقصى ما يمكن أن يفعله حاكم عربي «شجاع»، أن يؤخر لبعض الوقت حصولها على بعض المكاسب. وأي حاكم بديل من آل سعود، مهما كان موقفه من إسرائيل، لن يشذ عن هذا. أفضل ما في مقدوره، ألا يعطيها بسخاء كما كان سيفعل بن سلمان.
هناك احتمال أن يفلت بن سلمان، بمعنى يستمر في موقعه، بغض النظر عن ضعفه. هذا الاحتمال يصبح أقرب إلى التحقق إذا ما تشتت صف الحكومات الغربية وسمحت له بالانفراد بكل واحدة على طرف. آنذاك سيتمكن منها جميعا بالترهيب أو الترغيب، وربما الاثنين معا.
وإذا ما تحقق هذا السيناريو، ولأن الرجل لديه الكثير من صفات معمر القذافي، فعلى العالم أن يستعد لتكرار جريمة اسطنبول في عواصم ومدن أخرى. كان القذافي يلاحق معارضيه في العواصم الغربية بلا خوف لأن الحكومات لم تردعه. الردع الجماعي وحده كفيل بمنع «إم بي اس» من اقتفاء نفس الخطى.

 توفيق رباحي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: