اهم الاخبارمقالات

تونس: الدستور هو الفيصل

القضية ليست كلاما ولا شعارات، إنها ذهنية وممارسة. لهذا كان على التونسيين أن يعرفوا أن الحديث عن «دولة القانون والمؤسسات» و«علوية الدستور» وغير ذلك من كلام كثير آخر يفتخر بأن تونس الجديدة باتت مختلفة عن السابق إنما يحتاج إلى امتحان يضع كل ذلك على المحك.
آخر هذه المحطات، وربما أهمها، هو حصول الوزراء الجدد الثلاثة عشر الذين عينهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد مع وكلاء الوزراء على الأصوات اللازمة في البرلمان لنيل الثقة رغم المعارضة التي أبداها رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، قبل أن يعدّل موقفه، ورغم مقاطعة نواب حزب «نداء تونس» الذي ما زال رئيسه حافظ قايد السبسي، إبن الرئيس، يصر على مواصلة مناكفته للشاهد مع توالي نكساته فيها.
من اختار التصويت ضد نيل الثقة فذاك حقه الذي لا ينازعه فيه أحد، إذ لا حاجة لإجماع شامل مغشوش ساد البلاد لعقود طويلة، أما من سارع للاعتراض على التعديل الوزاري في حد ذاته وعلى حق الشاهد في أن يقوم به فقد أصيبوا بضربة كبيرة. صحيح أن رئيس الجمهورية عدّل موقفه قبل جلسة التصويت لتجنب الظهور بمظهر الخاسر، لكن ابنه يبدو كمن أدمن تلقي الضربات حتى بعد ما ظن أنه حصّن موقفه باندماجه مع حزب آخر لا يقل رئيسه سليم الرياحي عنه إثارة للجدل.
قد لا يعني ما سبق أن أولئك النواب الذين صوتوا لمنح الثقة للوزراء الجدد، أي أساسا نواب حركة «النهضة» و«الكتلة الوطنية» و«مشروع تونس»، إنما رضعوا مع حليب أمهاتهم قيم القبول بقواعد اللعبة الديمقراطية والاحتكام إلى المؤسسات لكنهم على الأقل أجادوا التعاطي مع ما ينص عليه الدستور فاستفادوا منه كما يجب إلى درجة الوصول إلى حكومة واسعة التمثيل لأغلب أحزاب البرلمان ومن بينهم وزراء من حزب «نداء تونس» تجاهلوا دعوة قايد السبسي الابن لترك مناصبهم الوزارية، وتلك لطمة أخرى لم تساهم مع ذلك في تركه الساحة التي أربكها بتشظي الحزب وهز مكانة والده رئيس الدولة الذي لم يحسن، رغم كل خبرته الطويلة، التعامل مع «ظاهرة إبنه المدلل».

المأمـّل الآن أن يتحول ما قاله الشاهد، الذي يـُــعتبر منح الثقة لوزرائه الجدد نجاحا باهرا له في وجه خصومه، من أن هذا التصويت هو «انتصار للديمقراطية وبرهان على أن حل الأزمات لا يكون إلا وفق الدستور»، أن يتحول إلى قناعة لدى الجميع وأولهم هو شخصيا بحيث يكون مستعدا دائما لأن يكون مرجعه الدستور في كل الحالات، لا فقط عندما يكون مناسبا لأشرعة سفنه، وكذلك شأن باقي الأطراف الشريكة في الحكومة. يجب أن يتحول ذلك كله إلى تقليد راسخ غير قابل للجدل.
المأمّـــل كذلك، أن يكون ما جرى في الأسابيع القليلة الماضية بسبب التعديل الوزاري والجدل الذي صاحبه فرصة للتعجيل في حسم مسألة «المحكمة الدستورية» المعلق إلى حد الآن بسبب تجاذبات سياسية ذات صلة بأسماء القضاة المرشحين لعضويتها لأن مثل هذا الحسم هو الكفيل وحده بوضع حد مستقبلا لأي جدل متوقع بخصوص أي إشكال سياسي كبير. ذهب البعض في وصف التعديل الوزاري الأخير بأنه «انقلاب على نتائج الانتخابات الأخيرة» وذهب البعض الآخر إلى وصف الحكومة الجديدة بأنها ليست حكومة وحدة وطنية بل «خيانة وطنية»، وهؤلاء ليسوا أناسا عاديين أو كتابا متحاملين، إنهم نواب في البرلمان ولديهم من يشكل معهم كتلا برلمانية. لو كانت هناك محكمة دستورية لسارعت إلى قطع الشك باليقين ولجنبت رئيس الجمهورية وآخرين حرج الحديث في دائرة لا علاقة لها بالدستور والقانون، مع أن الشاهد لم يضيع فرصة الإشادة بالرئيس لتأكيده على أن «احترام الدستور والاحتكام إليه باعتباره المخرج الوحيد لأية أزمة في البلاد»، وهو التأكيد الذي سارع إليه قايد السبسي بعد الاستياء الذي خلفه في البداية إعلان المتحدثة باسم الرئاسة أنه غير موافق على التعديل.
لقد تعرض الدستور التونسي في السابق إلى عبث كبير وصل حد تعديله عام 1975 ليصبح الراحل الحبيب بورقيبة «رئيسا مدى الحياة» ثم جاء من بعده زين العابدين بن علي ليتراجع عن المدتين الرئاسيتين كحد أقصى لأي رئيس ليضعها مفتوحة على مصراعيها ليصبح هو الآخر عمليا رئيسا مدى الحياة، مع أنه هو نفسه من كان عدّله بعد فترة قصيرة في بداية عهده 1987.
رغم كل ما يجري الآن في تونس من مناكفات سياسية ومشاحنات أدت إلى مزيد عزوف الناس عن الشأن السياسي العام المتوتر، والسخيف أحيانا، فإن القبول في النهاية، عن حماسة أو مضض أو ضغينة، بأن الدستور، الذي صيغ بعناية كبيرة ويعد الأكثر تحررا وتميزا في البلاد العربية، هو الملاذ وهو الخيط الناظم للحياة السياسية بمختلف تقلباتها يعتبر مكسبا للجميع… لكن ذلك لا يكفي ولا بد من حث الخطى الآن لتشكيل المحكمة الدستورية لأن ما كل مرة تسلم الجرة.

محمد كريشان

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: