اهم الاخبارمقالات

ثورة تونس غير المكتملة

تعيش تونس حالة من التردّي الاقتصادي والاجتماعي، منذ انطلاق ثورتها قبل أكثر من سبعة أعوام. ولم تتبدل الأوضاع المعيشية بشكلٍ يتناسب مع أحلام شباب الثورة ومطالبهم، وهم الذين خلعوا الرئيس التونسي السابقـ، زين العابدين بن علي، أوائل يجانفي كانون الثاني 2011، بل ربما ازدادت سوءاً عما كانت عليه، أو على الأقل هذا ما تسمعه حين تزور العاصمة تونس، وتتجاذب أطراف الحديث من مواطنين، كانوا قبل سنوات وقود الثورة على بن علي، وفي مقدمة صفوفها.

ولا تخطئ عين الزائر لتونس هذه المسألة، بدءاً من مستوى التنظيم والخدمات في مطار قرطاج الدولي، والذي يُفترض أنه واجهة تونس للزوار الأجانب، والذي لا يرقى إلى مستوى دولة تمثل السياحة جزءا رئيسيا ومهما من دخلها القومي، مروراً بالأحياء والمنازل العشوائية المنتشرة على جانبي الطريق باتجاه العاصمة تونس، والتي تبدو في حالةٍ بائسة، وانتهاء بالمرافق العامة، كالمواصلات والمستشفيات والمصالح الحكومية التي تبدو بحاجة ماسّة إلى إعادة التأهيل والترميم.
زرت تونس مرتين، الأولى قبل عام ونصف العام (أوائل عام 2017)، والثانية قبل أسبوعين. وفي المرتين، ازداد شعوري بأن النخب التونسية في وادٍ، وبقية المواطنين في وادٍ آخر، فالنخب السياسية تبدو حبيسة أجنداتها وأهدافها السياسية، وثمّة حالة من التربص وعدم الثقة، تدفع بها إلى التركيز على حماية مصالحها من دون الالتفات لمطالب الشارع، أو الاهتمام بقضايا المعاش اليومي للمواطنين على مستوى الرعاية الصحية والتعليم والتوظيف… إلخ.
وعلى الرغم من أجواء الحرية التي تعيشها تونس، والتي تمثل المكسب الوحيد حتى الآن من إطاحة بن علي، إلا أن هذا المكسب بدأ يتسرّب، ويفقد قيمته، كونه لا يؤثر كثيراً في معاش الناس وحياتهم اليومية. وقد سمعت من أشخاصٍ عاديين أن الحرية التي جاءت بها الثورة مكسب مهم، لكن أمور المعاش (الأكل والشرب والتوظيف) أهم منها بكثير. ولا يمكن لوم هؤلاء البسطاء، فلهم منطقهم في حسابات المكسب والخسارة، والتي يجب أن تكون البوصلة الحقيقية للنخب السياسية. فالثورة، حسب أكثر التعريفات تداولاً، هي “تغيير راديكالي وجذري في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية”، وهو ما لا يبدو أنه قد تحقق في الحالة التونسية، أقله حتى الآن، فالبنية الاقتصادية والاجتماعية، والتي تعني ظروف إنتاج علاقات القوة، وتوزيع الدخل، وسياسات الإنفاق العام، وميكانيزمات العدالة الاجتماعية، ومعالجة أوجه الخلل الاجتماعي، لا تزال على حالها. ولم تتغير موازين القوى الاقتصادية بشكل جذري، خصوصا في ظل الأداء الضعيف للحكومات التونسية المتعاقبة منذ الثورة. ناهيك عن مؤشّرات ارتفاع
معدّلات العجز التجاري والدين الخارجي والبطالة ومستويات الفقر… إلخ. صحيحٌ أنه من الصعب أن يتوقع أحد حدوث نقلة نوعية في أداء الاقتصاد التونسي، أو أن تتغير موازين البنية الاجتماعية بشكل سريع، ولكن ما حدث تراجع واضح وزيادة في خلل هذه البنية، بشكلٍ لا يعكس ما كانت تطمح إليه الثورة حين اندلعت.
ولعل ما يزيد من خطورة الوضع الراهن في تونس الانقسام والاستقطاب المتزايد بين النخب والكتل السياسية، والتي يبدو أنها لم تتعلّم الدرس الذي حدث في مصر عام 2013، وفي بلدان عربية أخرى وقعت في هذا المأزق الخطير الذي أنهى تجربة الثورات الوليدة، وارتكس نحو سلطوية جديدة أو إلى احترابٍ أهلي. فبعد انفضاض التوافق بين الحزبين الكبيرين، نداء تونس وحركة النهضة، وإعلان الشيخين (الباجي السبسي وراشد الغنوشي) أخيرا عن نهايته، كل على طريقته، باتت الساحة التونسية مفتوحةً على جميع الاحتمالات. وهو أمرٌ وإن كان حدوثه متوقعا، قبل فترة نوعا من إعادة رسم خرائط القوة، إلا أنه يأتي في وقتٍ لا تزال فيه الثورة التونسية تمرّ بمرحلة مخاضٍ اقتصادي واجتماعي. ويزيد من وطأة الأمر استخدام هذا الوضع أداةً في الصراع السياسي والتجاذبات بين القوى المختلفة، فالجميع يلقي باللائمة على الآخر فيما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. حيث يحمّل بعضهم حركة النهضة المسؤولية، كونها شريكة في السلطة، في حين ترى قيادات “النهضة” أن المشكلة في قيادة “نداء تونس”، خصوصا حافظ السبسي، نجل رئيس الجمهورية، الذي يسعى إلى السيطرة على الحياة السياسية، وتأهيل نفسه لقيادتها خلفاً لوالده. وبين هذا وذاك، يقف المواطن التونسي العادي حائراً يبحث عن حياة كريمة، وسط هذه التحزبات والانقسامات.
لا بد لثورة تونس أن تكتمل، وأن تترجم أهدافها وشعاراتها، في سياساتٍ وقراراتٍ وإجراءاتٍ شجاعة وجريئة، تضمن إعادة هيكلة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لصالح الطبقة الوسطى والفقراء. وبدون ذلك، يُخشى أن تسقط الثورة التونسية، كما سقطت من قبل نظيرتها المصرية، وهو ما لا يتمنّاه ويريده أحد.
خليل العناني
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: