اهم الاخبارمقالات

بيوغرافيا وزير تونسي يهودي

يتعلق الأمر بروني الطرابلسي، من جزيرة جربة في الجنوب الشرقي التونسي، يهودي الديانة، رشّحه رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، وكتلته البرلمانية (كتلة الائتلاف الوطني المنشقة عن حزب نداء تونس) وأحزاب الائتلاف الحاكم (حركة النهضة وحزب مشروع تونس)، لتولي منصب وزير السياحة في حكومة الشاهد الثالثة التي ستعرض على البرلمان لنيل الثقة اليوم الاثنين (12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018). جدل كبير، وأسئلة جدّية، ومطارحات فكرية وأيديولوجية، وأخرى تاريخية، أثارتها التسمية في منصّات التواصل الاجتماعي، ومختلف المواقع والصحف الإلكترونية، والمجالس الشعبية، وصالونات النخب السياسية. جذور التسمية، وتداول الاسم في كواليس أحزاب الحكم يعود إلى بداية سنة 2013، عندما همّ رئيس الحكومة آنذاك، حمادي الجبالي، بتغيير حكومته، بعد اغتيال شكري بلعيد، وتشكيل حكومة تكنوقراط، الأمر الذي رفضته حركة النهضة، ما أدى إلى مجيء حكومة علي العريض في مارس/ آذار من السنة نفسها. عاد اسم الطرابلسي بقوة إلى مفاوضات تشكيل حكومة التكنوقراط، المنبثقة عن الحوار الوطني الذي أمّنه كل من الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وآل الأمر فيها إلى المهدي جمعة، رئيسا للحكومة التونسية سنة 2014 الذي تجنّب التسمية، وعدم خوض المغامرة، لما للأمر من آثار على مستقبل حكومته، على الرغم من أنه اصطفى آمال كربول وزيرة للسياحة، والتي علقت بها تهمة التطبيع، والتعامل مع إسرائيل، وزيارتها في أكثر من مناسبة.
ليس الطرابلسي أول يهودي يتولى إحدى الوزارات، ويدخل الحكومة التونسية، أو مؤسسة الحكم ككل، فقد سبقه إلى ذلك نسيم شمامة رئيس سائر يهود تونس الذي سمّي مديرا للماليّة برتبة أمير لواء في فترة حكم البايات في منتصف القرن التاسع عشر، أي ما يعادل وزير المالية، وانتهت تجربته إلى الإثراء الفاحش من أموال الدولة التي اختلس منها مبلغا ماليا قدّره المؤرخون بثلاثين مليون فرنك فرنسي آنذاك، والهروب إلى فرنسا. وألبير بسيس الذي كان عضوا في مجلس النواب التونسي حتى سنة 1969، ووزيرا للتعمير والإسكان في حكومة الطاهر بن عمار سنة 1955 التي فاوضت الفرنسيين على استقلال تونس. وأندري باروش عضو المجلس القومي التأسيسي سنة 1956 ووزير التعمير والإسكان في حكومة بورقيبة الأولى بين 15 أبريل/ نيسان 1956 و29 يوليو/ تموز 1957.
ولا تشير بيوغرافيا وزير السياحة الجديد التي نشرتها وسائل الإعلام التونسية إلى شهادته العلمية، ما يعني أنه لم يحصل في حياته على أي شهادةٍ حتى الابتدائية، ولم تطأ قدماه المدرسة الإعدادية والدراسة الثانوية، وهو أمر غير مسبوق في سير الوزراء والحكومات التونسية المتعاقبة، ليستبدل بالإشارة إلى أنه تلقى تكوينا في مجال إدارة الأعمال في فرنسا، في صيغةٍ مبهمةٍ وغامضةٍ، لا تحدد المؤسسة التي قامت بالتكوين وزمانه ومحتواه، وإذا ما كان أفضى إلى دبلوم علمي أو شهادة خبرة أم لا. في حين أطنب الوزير الجديد في الحديث عن وكالة أسفاره، الشريك الأكبر مع الناقلة الوطنية، من دون أن يكون له الوعي بأن ذلك النشاط الذي يدرّ عليه أموالا طائلة جعلته من أثرياء القوم سيضعه تحت طائلة قانون تضارب المصالح، إن هو استمرّ في ممارسته بعد تولي الوزارة.
وعلى عكس هذا الضعف الفادح، والخواء الفاضح في التكوين العلمي للرجل، وفي تجربته العملية في الدولة التونسية ومؤسساتها وقوانينها المنظمة، إذا ما استثني منها دور نقابي يتيم ومحدود في الجامعة الوطنية للنزل، فإن منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصا يوتيوب وفيسبوك، تحفظ له فيديوهات وتصريحات وأدوارا مهمة لعبها منذ سنة 2005 في تنظيم زيارة اليهود كنيس الغريبة اليهودي في شهر مايو/ أيار من كل سنة. لكن هذه المهمة لم تكن خالية من نزعة تطبيعية مع الكيان الصهيوني، باتت تلاحق الرجل الذي ساعد على تنظيم رحلة جوية من فلسطين المحتلة إلى تونس سنة 2005، بقيادة وزير الخارجية الصهيوني آنذاك سيلفان شالوم، واستقباله في مطار جربة جرجيس، والذي زار تونس للمشاركة في القمّة العالمية للمعلومات، وكان دائما يحث السلطات التونسية على استقبال اليهود القادمين إلى كنيس الغريبة مباشرة من دولة الكيان الصهيوني، من دون أن يمرّوا بدول أخرى، مثل فرنسا، وبجوازات سفر الدولة الصهيونية التي لا تربطها علاقات دبلوماسية علنية مع تونس. وقد تحقق له هذا المبتغى، فوظف وكالات أسفاره لهذا الغرض، وبات أكبر المستفيدين ماديا ورمزيا من موسم زيارة الغريبة السنوي الذي أصبح سوقا دينية وسياسية وتطبيعية متميزة، ناهيك عن أنه لم يُخف تأييده قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نقل السفارة الأميركية إلى القدس، بل ونعت مناهضي هذا القرار من التونسيين بالتطرّف. وقد أشارت صفحات افتراضية صهيونية كثيرة إلى أن الطرابلسي من حاملي الجنسية الإسرائيلية، (مع جنسيته التونسية)، وهو
ما نفاه، واحتفت به هذه الصفحات، وأشادت أيما إشادة، واعتبرت صفحة “إسرائيل بالعربية” على “تويتر”، يوم 6 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، أن حكومة الشاهد التي برز فيها رجل أعمال يهودي تونسي، هو روني الطرابلسي، وزيرا للسياحة والصناعات التقليدية، حكومة تعايش، متمنية لها النجاح والتوفيق.
التقطت جمعيات المجتمع المدني والأحزاب التونسية ومختلف النخب ومجموعات الضغط المعادية للكيان الصهيوني والمناهضة للتطبيع التي تعتبر الدولة الصهيونية عدوا وجب مقاومته، التقطت كل تلك العناصر السيرية ذات الأبعاد التطبيعية، لترفض تسمية الطرابلسي وزيرا للسياحة في تونس، فالأمر لا يتعلق بديانته اليهودية، وبالتعايش بين المسلمين، وهم غالبية المواطنين، مع أهل الديانات الأخرى من يهود ومسيحيين وغيرهما، فقد وقع التصدّي سابقا لوزراء تونسيين مسلمين، مطبّعين في حكومتي مهدي جمعة والشاهد الأولى، وإنما يتعلق بالموقف من قضية التطبيع مع دولةٍ يمثل وجودها أكبر مظلمةٍ في تاريخ الإنسانية، تعتدي يوميا على الفلسطينيين بالقتل والتصفية والاغتصاب والتعذيب وكل أنواع القهر والظلم ونهب الأراضي واقتراف الاحتلال، ومارست العدوان على التونسيين والفلسطينيين في تونس في حمام الشط سنة 1988، واغتالت القيادي الفلسطيني، خليل الوزير (أبو جهاد) في سيدي بوسعيد سنة 1988، ومحمد الزواري في صفاقس سنة 2016. لن يذكر التاريخ روني الطرابلسي واحدا من قامات تونس المناضلة، ورمزا تاريخيا، كما يذكر اليوم اليهودي المرحوم جورج عدة الذي قاوم الاستعمار الفرنسي، وناهض الصهيونية ودولتها، واعتبرها أكبر خطر على الإنسانية، على الرغم من أنه سيحظى بأغلبية يؤمنها تحالف إسلامي – علماني، أطرافه الرئيسية كل من حركة النهضة وحزب مشروع تونس وبعض شظايا حزب نداء تونس المنخرطين في كتلة الائتلاف الوطني الشاهدية (نسبة إلى يوسف الشاهد).
سالم لبيض
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: