اهم الاخبارمقالات

لماذا تخيف الانتخابات الرئاسية الجزائريين؟

مباشرة بعد إعلان الأمين العام لجبهة التحرير عن ترشيح الرئيس بوتفليقة للانتخابات الرئاسية الأسبوع الماضي. اتصلت بي أكثر من وسيلة إعلامية فرنسية من باريس، للاستفسار عن الخبر والمساعدة على فهمه. ما قلته للصحافيين الفرنسيين الذين روجوا بقوة لخبر ترشح بوتفليقة هذا، لم يعجبهم، كما أحسست به، من نبرة حديثهم معي. هم المهنيون الذين كانوا يعتقدون أنهم أمام خبر سياسي من الدرجة الأولى، متعلق بالجزائر وانتخاب رئيسها تحديدا التي عادة ما تهتم بها الصحافة الفرنسية بشكل لافت.
ما حاولت أن أشرحه لهؤلاء الإعلاميين، أن الإعلان عن ترشيح الرئيس ليست من اختصاص الأمين العام للحزب “الحاكم” ولا أي حزب آخر، وأن هذا الإعلان الذي قام به للمرة الألف هذا الشخص بالذات، هو جزء من ديكور هذه الانتخابات الغريبة التي تعيشها الجزائر، التي يتصارع فيها المتزلفون من كل نوع، لتقديم الولاء، في حين أن المعني الأول بها، ساكت لا يتكلم، قد يترشح كما توحي بذلك الكثير من المؤشرات، وقد لا يترشح بسبب وضعه الصحي أساسا، ما يحيل إلى التفكير في سيناريو ثان سيكون من الصعب الوصول إلى توافق حوله في الآجال القانونية للانتخابات. عدم توافق يفسر الاضطراب الذي يعيشه النظام في المدة الأخيرة.
أثناء ذلك يشتد الصراع بين الأحزاب والجمعيات و”الشخصيات” على شكل سباق، من يتقرب أكثر، ومن يتزلف أكثر ومن يمدح أكثر رئيسا لا يكلمهم ولا يستقبلهم أصلا، يشاهدونه مثل غيرهم من المواطنين على شاشة التلفزيون بمناسبة نشاطاته الرسمية على قلتها! في مجتمع ونظام سياسي، لم يمارس ثقافة “الشيتة ” كما تسمى في الجزائر بهذا الشطط إلا حديثا، على الأقل بشكلها القبيح الذي يعاينه المواطن في السنوات الأخيرة. انتخابات رئاسية أصبحت تخيف الجزائريين أكثر فأكثر، لأنها تذكرهم بأزمة نظامهم السياسي التي يحاولون نسيانها، مدة خمس سنوات لم تنجح الانتخابات في تخليصه منها، أو التقليل منها على الأقل، رغم تنظيمها بشكل دوري، منذ استقلال البلاد، بكلفة مالية باهظة ستصل إلى 416 مليون دولار، حسبما هو مخطط للرئاسيات المقبلة (50 مليار دينار) لتكون بذلك أغلى انتخابات في البلد لحد الآن، حسبما جاء في الصحافة الوطنية.

انتخابات تربطها الذاكرة الشعبية بأزمة التسعينيات وتداعياتها الأمنية والسياسية، بُعيد الإعلان عن وقف أول مسار انتخابي تعددي، بعد المصادقة على دستور 1989. كما تذكرهم بما حصل في 1999 عندما انسحب المرشحون الستة، ليتركوا بوتفليقة كمرشح للسلطة وحده في السباق، وما ارتبط من صراع سياسي بنكهة جهوية واضحة، بمناسبة رئاسيات 2004. ليبقى الأخطر دائما، المرتبط بهذه الانتخابات الرئاسية، الذي يخيف أكثر من غيره، هو إمكانية عدم التوافق بين “أصحاب القرار” على مرشح واحد لتسويقه للجزائريين كمرشح رسمي، لما بعد بوتفليقة، كما جرت العادة حتى الآن والقذف بدل ذلك بالأزمة إلى الشارع، كما حصل أكثر من مرة في التاريخ السياسي للبلد. شارع من سماته العفوية وضعف التنظيم السياسي، بل انعدامه كليا في بعض الحالات، ما يجعله يملك قابلية كبيرة للاستعمال والتوريط السياسي.
سيناريو يتخوف منه الكثير، بمناسبة هذه الانتخابات الرئاسية المزمع تنظيمها في الربيع المقبل بكل الضبابية التي تسودها. في وقت يعرف فيه النظام السياسي تغييرات مهمة ما زالت لم تصل كلها إلى النضج، لكنها حاضرة كخلفية لا يمكن الاستهانة بها، كعوامل تفسير لحالة الاضطراب التي يعيشها هذا النظام في المدة الأخيرة، التي عبرت عن نفسها بأكثر من وجه، كتلك الاعتقالات التي مست قيادات عسكرية كبيرة بتهم الفساد أو الإعفاء من المناصب، أو ذلك الصراع السياسي بين الأذرع الإعلامية لبعض مراكز القوى، أو أزمة البرلمان الاستباقية وأساليب تسييرها القبيحة المهينة لكل المؤسسات والبلد برمته. قضايا يربطها الملاحظ الوطني والأجنبي، كما تربطها الشائعة السياسية الشعبية التي يزداد حضورها في هذا النظام السياسي المغلق، بلعنة الانتخابات هذه التي فشلت الجزائر في الإفلات منها. انتخابات رئاسية تجري في ظل تحولات سياسية يعيشها النظام السياسي من الداخل، مثل ذلك التغيير في موازين القوى بين مراكز القرار التي كانت لها الكلمة الأخيرة على الدوام في مسألة الانتخابات الرئاسية، كمخابرات الجيش على سبيل المثال، التي تبدو أقل حضورا، مقابل بروز رجال الأعمال كقوة ضغط وضعف الأحزاب التقليدي، ناهيك عن الدور الباهت الذي تقوم به المؤسسات الرسمية كالبرلمان على سبيل المثال. في حضور أقوى للقنوات التلفزيونية الخاصة، الموظفة بشكل سافر في حسم الصراعات بمناسبة الانتخابات، رغم وضعها القانوني غير الرسمي.
أدوار يرفض القيام بها حتى التلفزيون العمومي، رغم تبعيته الكلية للنظام. ليكون المال السياسي هو البارز الأقوى الذي يطل برأسه بمناسبة هذه الانتخابات التي تبقى تخيف الجزائريين، لغاية تحولها فعلا إلى وسيلة تغيير سياسي وتداول للسلطة

ونقاش برامجي بين المشاريع السياسية. وليست انتخابات إلهاء للمواطنين وتودد للعالم الخارجي لكسب شرعية، تبقى رغم كل ما يقال عن الانتخابات الرئاسية الجزائرية حاضرة في حالة الرئيس كشخص. لا يمكن من دونها تفسير الصلاحيات الكبيرة شبه الملكية التي يتوفر عليها في النص الدستوري وأكثر على أرض الواقع. شرعية بصلاحيات واسعة جدا، من دونها لا يمكن أن نفهم كيف تسنى له اتخاذ الكثير من القرارات المتعلقة بالتغيير على مستوى القيادة العسكرية وتحويل بعضها إلى المحاكمة، وهو في هذا الوضع الصحي، كما ظهر في آخر خرجة له وهو يترحم على أرواح الشهداء، بمناسبة عيد الثورة في أول نوفمبر/تشرين الثاني الحالي. شرعية تحصًل عليها بوتفليقة وهو على رأس السلطة، منذ عشرين سنة، استعملها أساسا لتدعيم حكمه الشخصي، على حساب المؤسسات الرسمية للدولة التي اختفى دورها تقريبا. كما بينت ذلك بشكل جلي أزمة البرلمان الأخيرة. مؤسسات لن تحسم داخلها بكل تأكيد مسألة خلافة بوتفليقة وتعيين خليفة له أو حتى التجديد له لعهدة خامسة وهو في وضع صحي حرج.
حسم في الأمر ستنجزه “الأشباح” كما جرت العادة، داخل هذا النظام السياسي الذي تقوم فيه الشلل الصغيرة والأفراد بمهام المؤسسات السياسية الرسمية. حتى وإن تعلق الأمر بانتخاب رئيس الجمهورية. في غياب المواطن الخائف الذي يطلب من السماء سرًا وعلانية أن “يتفاهموا” بسرعة ولا يعرّضوا استقرار البلاد للخطر مرة أخرى، بمناسبة هذه الانتخابات التي تمنح الانطباع الكاذب بالتغيير لتكون نتيجتها الاضطراب أو الركود السياسي في أحسن الأحوال.

 ناصر جابي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: