اهم الاخبارمقالات

خيارات الإسلاميين أمام سؤال الشريعة: حول مشروع المساواة في الإرث في تونس

يُطرح إسلاميو تونس اليوم وهم يمثّلون أحد التيارات الأكثر مرونة مع الحداثة والقِيَم الغربية أمام خيارين أساسيين في التعامل مع مطلب تطبيق الشريعة.

قانون الأسرة يمثّل أهم سؤال يطرح نفسه اليوم على مشاريع الإسلاميين في الحكم

ظهرت في الدول الإسلامية أحزاب برلمانية وأخرى عمالية إشتراكية وثالثة تحرّرية قومية ما لبثت أن تمكّنت من الوصول إلى الحكم. لكن رغم قيام هذه الأحزاب بتأسيس الدولة القُطرية الجديدة بعد الإحتلال، إلا أنها وكما يرى ذلك برترند بادي Badie فشلت في أن تؤسّس لشرعيّات جديدة وفيّة للمبادئ الإيديولوجية التي عنوَنت مشاريعها السياسية.

في تونس اليوم تواجه الدول الإسلامية سؤالاً حقيقياً حول طبيعة العلاقة بين الدين والقانون، وعلاقة الحاكمية بالديمقراطية. قانون الأسرة الذي اشتدّ حوله النقاش العمومي في المجتمع الديمقراطي الوليد يمثّل في الحقيقة أهم سؤال يطرح نفسه اليوم على مشاريع الإسلاميين في الحكم حول طبيعة العلاقة مع الديمقراطية ونتائجها وأسُس التداول السلمي للسلطة.

يُطرح إسلاميو تونس اليوم وهم يمثّلون أحد التيارات الأكثر مرونة مع الحداثة والقِيَم الغربية أمام خيارين أساسيين في التعامل مع مطلب تطبيق الشريعة:

الموقف السياسي الغامِض:

وهو نهج طالما ميَّز خطاب جماعة الإخوان المسلمين في مصر في التعامل مع النوازل السياسية، حيث لا زال الخطاب غير قادر على استباق الأحداث وإعطاء رؤية استشرافية واضحة للمستقبل. الواقع يسبق الفكر في الممارسة السياسية عند الكثير من الإسلاميين.

لم يقدِّم أغلب الإسلاميين في مواجهة أسئلة الأمّة والدولة والقانون والشريعة والديمقراطية والشورى أجوبة فكرية أو فقهية واضحة، ورفعت الحركات الإسلامية شعار الإسلام هو الحل لكنها لم تستطع أن تقدِّم برنامجاً إنتقالياً واضحاً لتحقيق هذا المطلب في علاقته بالديمقراطية والعولمة الحقوقية والنظام الإقتصادي العالمي.

قدَّم أحد قيادات الإخوان المسلمين المصرية في بريطانيا جواباً غير واضح تماماً حول الموقف من الإلحاد في المجتمع السياسي والحقوقي، في الوقت الذي استطاعت فيه الأنظمة الإقتصادية التي تبنّاها الإسلاميون أن تحقّق نمواً هاماً في عالم الليبرالية المعاصِر. خيار الموقف الغاِمض من مسألة تطبيق الشريعة ومن الحريات ومن العولمة الحقوقية، يخفي في الحقيقة أزمة حقيقية يعيشها الإسلاميون في زمن التمكين.

لقد انشغلت التيارات الإسلامية عن سُبل الوصول إلى السلطة بدل انشغالها بطبيعة المشروع السياسي والإجتماعي الذي ستقدّمه للمجتمعات. لا يستطيع الإسلاميون الإجابة عن سؤال تطبيق الشريعة، بل سينغمسون في الواقع السياسي وفي طبيعة التدافُع الذي تمليه الساحة والذي يُهدّد النقاء الإيديولوجي بالذوبان.

في المغرب تمثّل تجربة حزب العدالة والتنمية نموذجاً واضحاً لهذا التحوّل، حيث أصبح من الصعب التفريق بين أداء الأحزاب الإسلامية وغيرها. لقد شذَّب الحقل السياسي أظافر الحزب وحوَّله إلى حزبٍ علماني أكثر خضوعاً من غيره للنظام، وأصبح يستنجد بتاريخ الفقه السلطاني ليملأ فراغ خطاب الشرعية عنده.

هذا الخيار سيؤدّي في الغالب إلى تحوّل أغلب الأحزاب الإسلامية إلى أحزابٍ قوميةٍ ليبراليةٍ محافظةٍ تُدافع عن النظام القائم أو تحاول تطبيق رؤى سياسية غير واقعية، تنتهي بالفشل السياسي أو تفشل الدولة نفسها كما حدث في الجزائر حين أمسكت الجبهة بالحكم من دون برنامج إسلامي سياسي واضح.

الخيار الثاني: الوضوح الأيديولوجي

وذلك من خلال بناء رؤية سياسية واضحة لمشروع الإسلاميين في الحكم. جمهور الإسلاميين لا يتقبّل في أحيانٍ كثيرةٍ حقيقة الوضع السياسي الذي تتخفّى تحته أزمتها الفكرية والسياسية، ما سيجعلها  عُرضة للانشقاق والتحوّل إلى أحزابٍ نخبويةٍ إنتخابيةٍ تُسهم في تكريس الواقع السياسي ولا تمتلك القدرة على تغييره.

الوضوح الأيديولوجي سيمكّن الأحزاب الإسلامية من تجاوز الخطأ الفادِح الذي أصاب الأحزاب القومية التي حملت شعارات تعبوية انتهت بنكسة حزيران واتفاق كامب ديفيد وبتبخّر حلم القومية العربية الإشتراكية.

الإسلاميون في المغرب العربي وخصوصاً في تونس مؤهّلون أكثر من غيرهم لبناء مشروع سياسي يرضى فيه المسلمون كمواطنين بالديمقراطية كحُكم سياسي بين المشاريع العلمانية والإسلامية على اختلاف توجّهاتها.

الإسلاميون في تونس وخارجها لا يمتلكون اليوم مواجهة المدّ الدولي للمنظومة الحقوقية الدولية إلا من خلال بناء تصوّر حقوقي واضح داخل المجتمع الدولي والدخول في معركة حقوقية فكرية داخل الأروقة في ساحات المعارك الوهمية أو الفعلية. الوضوح الأيديولوجي يعني بناء المنظومة القانونية وفق ما تمليه الدساتير التي تم التصويت عليها بشكلٍ ديمقراطي والإقتناع التام والنهائي بنتائج العملية الديمقراطية.

الوضوح الأيديولوجي يعني طرح مشروع تطبيق الشريعة من دون تقية سياسية أمام الشعب وبناء رؤية فُقهية حقوقية قوية ومُتكامِلة قادر على إقناع الإسلاميين وغيرهم داخل المجتمع.

عقبات كأداء تواجه اليوم مشاريع الإسلاميين على أرض الواقع. واقع النمو الإقتصادي الضعيف، واقتصاديات الهيمنة وسيطرة وسائل التواصُل والإعلام التي تتحكّم فيها الشركات المتعدّدة الجنسية. أمام الإسلاميين اليوم سؤال المشروع السياسي والاقتصادي وتحويل الشعارات إلى نماذج واضحة، قد يكون الرجوع فيها للتاريخ القريب والبعيد مهدّداً حقيقيا لاستقرار المجتمعات ولمسارها الإنتقالي نحو ديمقراطيتها المنشودة.

النموذج التركي اليوم يسعى إلى تحويل المشروع الإقتصادي  المتوّج بتاج العثمانية الجديدة نموذجاً سياسياً مُنافساً للثورة الإيرانية وللوهّابية السعودية، لكن الأزمة الحقيقية التي تواجه تركيا هي موقفها الأيديولوجي الواضح من المشاريع الإسلامية على مستوى التنزيل القانوني والإجتماعي والفقهي للمشروع.

في مقابل هذا تتميّز التجربة المغاربية والتونسية خصوصاً بقدرتها على تجاوز هذا القصور عند الأتراك. المشروع التونسي مؤهّل ليصبح نموذجاً ديمقراطياً واضح التوجّهات. وضوح المشاريع السياسية في بريطانيا سمح للفكر الماركسي الإشتراكي المرفوض في دين الليبرالية الرأسمالية أن يؤسّس لنظام الثنائية الحزبية بين المحافظين والعمال ويعضد الديمقراطية الليبرالية بدل أن يقوّضها.

التسويق السياسي لديمقراطية الإسلاميين يجب أن يتم تجاوزه إلى مرحلةٍ أكثر عقلانية وواقعية في التعامُل مع الديمقراطية الوليدة التي تحاربها السنون العِجاف في وطننا العربي اليوم.

أحمد فال السباعي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: