اهم الاخبارمقالات

بكيناك يا جمال… ولكن هؤلاء لا بواكِيَ لهم

لما فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين من خِيرة أصحابه يوم أُحُد من بينهم حمزة، مرّ على نسوة يبكين قتلاهم، فقال والحزن يملأ قلبه على عمه وأخيه من الرضاعة (لكنّ حمزة لا بواكيَ له) إشفاقًا عليه ومحبة له، حيث أنه لم يكن له كثيرُ قرابةٍ في المدينة.
داهمتني هذه العبارة المُوجِعة في خِضمّ فجِيعتنا بمقتل جمال خاشقجي، فلقد بكيناه وحُقّ له أن يُبْكى وتُذرف له الدموع، لكننا نسينا أو تناسينا أن مقتله ليس أعظم الكوارث والمصائب.
أشلاءٌ مُبعثرة هنا وهناك على أرض سوريا، كانت يومًا بشرًا أسوياء قبل أن تغدر بهم طائرات بشار وحلفائه، وأطفالٌ في غزة كانوا زهرة أحلام الأمهات، حصدتهم قذائف الاحتلال، وآلاف ممن لا يُسبّحون بحمد الطغاة المستبدين، لفظوا أنفاسهم الأخيرة خلف القضبان تعذيبا وقهرًا، كل هؤلاء لا بواكيَ لهم.
مُتطرّفون نحن في عواطفنا، انتقائيّون في أحزاننا، مسافات تفصلنا عن الاعتدال في وزن كل نائبة، تعدّدت المكاييل والدماء واحدة في عصمتها وقداستها.
شهر مر على بداية القضية أو يزيد، ما أكثر ما سطرته حولها الأقلام النازفة، وما أكثر التصريحات النارية بشأنها على لسان مسؤولي الدول والحكومات، هي الحديث الأكثر تداولًا بين الإعلاميين والصحافيين وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا لعمر الله شيء عظيم، لكن أين نصيب المكلومين والمُشردين وصرعى المظالم وضحايا البطش والوحشية من هذا الحراك؟ أقدرٌ نعيشه أنْ تُنسينا أحزانٌ أحزانًا؟ أم لعله هروب من مواجهة أزمات عجزنا عن اتخاذ مواقف موحدة للتعامل معها، إلى أزمة تراصّت لها الصفوف، وتوحد في ظلها أهل المشارب، الإسلامي والعلماني، والسني والشيعي، واليمين واليسار.
لا نضنّ على جمال بِتَقطُّع أوصال قلوبنا، لكن ما بالنا لا نُفسح في القلوب مكانًا لغير جمال؟ ضاقت قلوبنا كما ضاقت آفاقنا، ولسان الحال:
أصمٌ عن الأمر الذي لا أريده     وأسمع خلق الله حين أشاءُ
لقد كشفت قضية خاشقجي عوراتنا، نعم قد كشفت خداعنا لأنفسنا، فكثيرا ما برّرنا قُعودنا وتخاذَلنا وعدم الجدية في التعاطي مع الأزمات بسطوة المستبدين، وضعف الوعي وقلة الإمكانات، فجاءت صولاتنا وجولاتنا من أجل جمال خاشقجي فاضحة، فها هو صرير أقلام الكُتّاب يهز أرجاء المعمورة، وها هي الجماهير تُظهر الدراية والقدرة على التحليل والتقييم والترويج، إذن فنحن نستطيع أن نلفت الانتباه، فلِمَ الانتقائية؟ ولماذا لا نتفاعل مع قضايا الأمة وضحاياها الآخرين، على نحوِ تفاعلِنا مع قضية جمال خاشقجي رحمه الله؟
لم أقف على تفسير مُحدد لنشاط بعض الإعلاميين والصحافيين والحقوقيين تجاه قضية مقتل خاشقجي العارضة دون القضايا الأخرى المُستديمة، وأجدُني أتساءل: ألأن الأمر يخص واحدًا ينتمي إلى ذلك الوسط؟ أم لأنها قضية لا يسوغ فيها الخلاف، فجاءت محمودة العواقب لمن يخوض فيها؟ أم هو إجراء دفاعي لئلا يُصيبهم ما أصابه؟ أم لأن الغرب يهتم لمقتل خاشقجي فكانت فرصة جديدة للتوافق معهم؟ أما الصحف والمواقع والفضائيات فقد خاضت في تغطية القضية على مبدأ السباق التجاري، لا يهم الفائدة المرْجُوَّة من الخبر، ما يشغلها هو مجرد النشر عن جمال خاشقجي، لتوازي الصحف والمواقع الأخرى، ولو جاء ذلك على حساب الأزمات الراهنة. والناظر إلى التغطيات الصحافية للعدوان الإسرائيلي على غزة منذ أيام، سيجدها باهتة لا ترقى لمستوى الحدث، فهناك قضية رائجة اسمها “مقتل جمال خاشقجي” هي التي تُحمي عداد القراءات.

للعرب مثل يقولون فيه “إذا كنتَ في قوم فاحلِبْ في إنائهم” يُضرب في الأمر بالموافقة وترك المخالفة، ويبدو أن أقوامًا يتخذونه نهجًا، فلا همَّ لهم سوى قضية جمال خاشقجي والنشر فيها والحديث عنها والتفاعل معها، على حساب تناول القضايا الأخرى للأمة، لا لشيء إلا لأنهم رأوا أن يحلبوا في إناء غيرهم.
لنكن أكثر صراحة مع أنفسنا، أليس لهذا التفاعل غير المسبوق مع مقتل خاشقجي، علاقة بموقفنا الرافض لسياسات السعودية، بعد أن خسر ابن سلمان القريب والبعيد بقراراته الهوجاء؟ وربما لا أجانب الصواب إن قلت إن الاهتمام بمقتل خاشقجي على هذا النحو الذي سطّح القضايا الأخرى للأمة هو أمرٌ يراد بنا ولنا، وربما كانت فرصة جيدة للاحتلال في تمرير بعض القرارات التعسفية، وفرصة لبشار الأسد في ارتكاب المزيد من المجازر بحق الشعب السوري، في ظل ضعف تسليط الضوء على كل القضايا عدا قضية خاشقجي، فالرأي العام العربي يُدفع به حاليا في اتجاه وحيد.
لدينا العديد من القضايا المُتفق عليها، أبرزها القضية الفلسطينية، لو أن لها هذا الزخم الذي شهدناه في التعامل مع مقتل خاشقجي لوجدنا القضية الفلسطينية في مسار آخر أكثر إيجابية وإثمارًا. هلمّ أيها المحلل العبقري، ويا أيها القارئ البصير، ويا أيها الصحافي المخضرم، وواجهوا مقالتي – كالعادة- بما تجود به قرائحكم، وقولوا إن إحسان التي كتبت عن خاشقجي حتى الملل، جاءتها الأوامر لتأخذ بِحُجُزِ القضية في اتجاه آخر، وتسعى لتوهينها وتسطيحها من أجل تبرئة ساحة ولي العهد المُلهم المُحدث، مع ان إحسان هذه كتبت هنا في هذا المنبر قبل اسبوع مقالة “شنجول الجزيرة” التي تتحدث عن عبث ابن سلمان وتدعو العائلة الحاكمة في السعودية الى عزله وأمثاله عن دائرة صُنع القرار، وهي المقالة ذاتها التي سجّلت رقما قياسيا بعدد التعقيبات والتعليقات، التي حملت أبشع الألفاظ السوقية، بما فيها من طعن الأعراض والأنساب لشخص الكاتبة وأهلها، وكل من يدافع عنها كمُسلمة، أو عن فكرتها وحقها في التعبير عن رأيها، من قبل مئات الحسابات السعودية، إضافة الى أكثر من أربعة آلاف تعليق من حسابات تضع صورة الملك سلمان وهو يشرب من فنجان قهوة، أو صورة ابنه وهو يرتدي “البشت الطائر”.
شيء من الاعتدال والتوسط يا قوم، شيء من ترتيب الأولويات، شيء من الشمولية، التفاعل مع أشلاء الضحايا أسوة بخاشقجي، فقط هو ما أنشد إيصاله إلى الجماهير من خلال تلك السطور.
مقالتي سيفهمها المُنصف كما سُطِّرت تماما، أما المُغرض الباحث عن زلاتي فأبشره بأنه حتمًا سوف يجد مَرامَه في توجيه كلماتي وليِّ أعناقها، ولكن أُبشّره أيضًا بأنني ما كنت يومًا لأعبأ بالقيل والقال. وللمنصفين فقط أُجمل العبارات: يذوب القلب كمدًا على جمال ونبكيه، ولكن علينا ألا ننسى أولئك الضحايا الذين لا بواكي لهم، ممن ليس لهم حسابات على الفيسبوك او تويتر، وربما لم يمُرّ (النت) يوما من مضاربهم، والذين مُزّقت جلودهم وتناثرت أطرافهم، وماتوا بصمت، كأنهم لم يكونوا، ومن دون أن يدري عن حكايات موتهم او أسمائهم أحد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إحسان الفقيه

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: