اهم الاخبارمقالات

من سيرة أول انتحارية تونسية

شاهد التونسيون، وربما غيرهم، جثة المرأة التي فجّرت نفسها في شارع الحبيب بورقيبة، أهم شوارع العاصمة، والذي غدا رمزا منذ الثورة، وشهد أكبر المظاهرات التي أسقطت يوم 14 جانفي/كانون الثاني 2011 نظام بن علي. ويبدو أن اختيار هذا الشارع لعملية انتحارية فيه ليس لهذا السبب فحسب، فهو الشارع الذي فيه وزارة الداخلية والسفارة الفرنسية والكاتدرائية الكاثوليكية. اختارت الفتاة أن تفجّر نفسها بجانب سيارة أمن تعودت أن تظل بين مبنى المسرح البلدي وأحد النزل المقابلة له.
كانت العاصمة تستعد لاحتضان مهرجان قرطاج السينمائي، حيث يتحوّل الشارع محجّة لعشاق السينما حتى الفجر. لا أحد يعرف ما دفع هذه الفتاة إلى ارتكاب هذا الفعلالإرهابي. ولكن جملة من نقاط الاستفهام تبقى حاضرة، خصوصا مع بدائية مواد التفجير المستعملة في العملية، والتوقيت الذي لا شيء فيه يجعل عوامل النجاح أضمن. كانت على مقربةٍ من مبنى وزارة الداخلية، لكنها لم تفعل. ولم يشهد ذلك اليوم نشاطا أو مناسبة استثنائية، ما أعطى انطباعا أنها كانت على عجلة من أمرها (هل كان لها أمر؟)، بل يذهب إلى تقديم فرضيات أخرى تجعلها ضحية مؤامرة. كان من لطف الأقدار أن عملية التفجير لم تلحق الأذى سوى بعدد قليل من رجال الأمن وبعض المارة، أصيب بعضهم بخدوش أو جروح بسيطة. وكان قائد الجيش التونسي، الجنرال رشيد عمار، يكرّر، إبان أحداث الثورة، أن “أرض تونس سخونة”. ووفق المعتقد الشعبي المغاربي، هي محمية ببركة أولياء الله الصالحين، لكثرة ما تضم مدنها من أضرحة وزوايا.
حدث الانفجار، وأردى المرأة قتيلة، وعمرها ثلاثون سنة. خريجة جامعة، ودرست الأدب
الإنكليزي في معهد اللغات في مدينة المكنين الساحلية. تنتمي إلى ولاية المهدية الساحلية، ولكنها تقطن في قرية ريفية تبعد عن المدينة نحو 30 كلم، لكنها مسافة ضوئية بين مدن الساحل ومجاله الريفي الذي يتطابق مع مدن المناطق الداخلية وقراها. إذ ليس في قريتها دار ثقافة أو شباب أو مكتبة عمومية، ولا أي مرفق عمومي يمكّن شباب تلك المناطق من الترفيه وتمضية الوقت فيما ينفع، خصوصا أن هذه الانتحارية عاطلة (اكتفت برعي أغنام عائلتها) كما ثلاثمائة ألف عاطل من خرّيجي الجامعات التونسية. تغيب الجمعيات في تلك القرى والأرياف، وتظل معاناة الأفراد تعاش بشكل شخصي، مواده الأكثر يسرا الانطواء والعزلة، ما يضاعف الشعور بالتهميش والمهانة.
شاهد التونسيون، في الأسبوع نفسه تقريبا، جثة شاب تونسي قتلته قوات الأمن في قرية محاذية لجبل الشعانبي. كان قد غُرّر به ليقترف أبشع عمليات قتل الرعاة هناك وذبحهم، وهم من أقاربه. لم يُتم التعليم الابتدائي. تعيش عائلته على الاحتطاب من الجبل المجاور والرعي.
لن نبرّر الإرهاب بالبحث عن أسباب موضوعية له، وليس الفقر أو التهميش مبرّرا مطلقا، فيما حصل في الأيام القليلة الماضية. ولكن علينا أن ننتبه لفهم البيئات الحاضنة للمشاريع الإرهابية. وعلينا أن نعي جيدا ما يسميه المختصون عوامل الخطر التي تشجّع الإرهاب، وتجعل له جاذبية، حتى يُقبل عليه بعض الشباب.
في الحالتين، تبدو السير الحياتية للشابين شبيهة بالظروف التي عاشاها. أخاديد عميقة حفرتها الخيبات النفسية المتلاحقة التي سحقتهم وهم يتألمون بصمت. علينا أن نعيش أسبوعا واحدا حالة فتاة درست الإنكليزية، واطلعت على مباهج أدب شكسبير وعصر الأنوار البريطاني، وتعود فجأة إلى ريفها المعزول، حيث تتقلص العلاقات الاجتماعية، وتمنع الأعراف والتقاليد الخروج من المنزل عادة، حتى نفهم حجم الخيبة. قالت والدتها لوسائل الإعلام: لم تتصل بأحد، ولم يزرنا غير بعض أقاربها في مناسبات قليلة. كانت ترعى الغنم، وتعين العائلة على الأشغال الفلاحية القليلة، حتى نجد ما ندرّس أخاها الطالب في الجامعة. ليس لها من علاقة سوى مع حاسوبها الذي ظل يلازمها ليلا ونهارا حتى في مرعاها.
يظل عالم الإنترنت لكثيرين من أبناء المداشر والقرى، الفسحة الوحيدة التي يطلّون منها على العالم، ولكنها قد تكون إطلالة قاتلة. لا أعتقد أن منى قبلة، وهي تسجل اسمها أول انتحارية تونسية، كانت تدرك أشياء كثيرة، حتى في معاني السلفية وغاياتها، فضلا عن أساليبها وتقنيتها. والأغلب أنها كانت ضحية تلاعبٍ بعقلٍ لم تعطه المدرسة التونسية مفاتيح النقد، ومشاعر لم تجد سندا لتعزيز منابع الصبر والصمود. وفي واقع يطحن العظام، إنما يأكل الإرهاب من الغنم القاصية. هل كانت منى قبلة ذئبة “سرحانة” منفردة، أم شاةً سهلةً لتلك الذئاب نفسها.
حتى نعشق الحياة الكريمة، علينا ان نتذكّر ما كان يقوله أريك فروم، أحد رواد مدرسة فرانكفورت: عيون الحياة ثلاث: الحب والعمل والمعرفة. على أن تكون السيادة لها.
المهدي مبروك
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: