اهم الاخبارمقالات

تونس: درس عملية شارع بورقيبة

 

لعلها اللطمة التي ربما يستفيق بها الجميع من سباتهم ويراجعون حساباتهم!! التفجير الانتحاري الذي أقدمت عليه سيدة أمس الأول في قلب شارع الحبيب بورقيبة بدا صادما إلى درجة أن من يوجه إليهم عادة اتهام التسبب في مناخ يسمح بعمليات من هذا القبيل هم من سارعوا، قبل غيرهم، إلى نقد ذواتهم قبل أن ينهال عليهم التقريع من كل حدب وصوب هذه الأيام.

كان ملفتا مسارعة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي إلى وصف ما جرى بــ «الفاجعة» والاعتراف بأن المناخ السياسي في البلاد «سيئ» وبأن هموم الطبقة السياسية منصرفة حاليا إلى المناصب ومناكفات الأحزاب مع أن «ليست هذه هي مشاكل تونس»، داعيا إلى إعادة النظر في ترتيب أولويات البلاد بعيدا عن التجاذبات السياسية.
وإن كان من الطبيعي جدا أن تسارع كل الأحزاب إلى إدانة العملية الإرهابية التي وقعت في قلب العاصمة، بما يوجه رسالة إلى الجميع أن الإرهاب بدأ يعبث من جديد وسط الناس وليس في تخوم المدن فحسب، فإن من المهم النظر إلى دعوة الاتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد نقابات العمال) الأطراف السياسية إلى «أخذ العبرة» مما حدث و «الابتعاد عن التجاذبات التي منحت الإرهابيين فرصة لتنفيذ مخططاتهم».
وإذا كان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي رأى في تنفيذ العملية في شارع الحبيب بورقيبة بعدا خاصا «بما يمثله هذا الشارع من رمزيّة تتجسّد خلاله قيم الحريّة والديمقراطية وباعتباره أيضا إطارا للتنزّه والترفيهِ»، فإن للرمزية وجها آخر حيث إن بقاء جثة منفذة التفجير لفترة طويلة ملقاة على الأرض دون أن تغطى، بدا وكأنه إبقاء متعمد لمنظر بشع على كل الطبقة السياسية أن تمعن النظر فيه قبل أن تنظر إلى نفسها ثانية في المرآة.
لم يكن خافيا أبدا أن الحياة السياسية في تونس تعاني ومنذ أشهر حالة من الترهل، وحتى التفاهة، اخترقت الجميع فلم تسلم منها رئاسة الجمهورية ولا رئاسة الحكومة ولا البرلمان، حتى فقد الناس تقريبا الثقة فيها جميعا مع نظرات خيبة أمل، وحتى استخفاف، باتت تلاحق أكبر الأحزاب وأصغرها وأسئلة حارقة تتعلق بحسابات اتحاد الشغل وتلويحاته أو تهديداته بإضرابات لا تقف. أما الأخطر من كل ما سبق، وغيره كثير، شعور عام متنام بأن كل السياسيين في البلاد من إسلامييهم ويسارييهم وليبرالييهم وكل تصنيفاتهم المعلنة والخفية ليسوا بأولئك الذين يعلون مصلحة البلاد والعباد، بل إن ما يحركهم هو مصالحهم الشخصية ليس إلا، أو حيانا في أكثر مستوياتها تدنيا.

عندما يرى المواطن أن أغلب الأحزاب لا هم لها إلا الكيد لبعضها وتغيير تحالفاتها داخل البرلمان بشكل كوميدي غريب، وأن البعض الآخر لم يغادر بعد مربع الخصومات الأيديولوجية التي عرفها سنوات النضال في الجامعة، وعندما يرى أن كل ما سبق لم يؤد في نهاية الأمر سوى إلى مزيد تفشي الفساد، ومراعاة لوبياته المختلفة لبعضها البعض أو تصادمها، وأحيانا توظيفها لمؤسسة القضاء عن حق أو باطل، وأن منطق الصفقات وتصفية الحسابات الصغيرة جدا هو المحرك الأساسي للمشهد السياسي… عندما يرى كل ذلك، فإن النتيجة لن تكون إلا ما يشبه الاستقالة الجماعية المولـّــدة للفراغ الذي لن يستفيد منه إلا أعداء التحول الديمقراطي و أولهم طبعا الإرهابيون و من يرعاهم و يمولهم.
وعندما تكون كل هذه المناخات السياسية السلبية مقترنة بضائقة اقتصادية، يشعر بوطأتها الجميع وأولهم الفقراء الذين يزدادون فقرا والطبقة المتوسطة المتآكلة، تتجلى أكثر فأكثر الهوة الكبيرة الفاصلة بين الناس وهمومهم والسياسيين وحساباتهم.
كلام الرئيس قايد السبسي والطريقة التي تحدث بها متأثرا للتلفزيون التونسي تشي بأن صدمة التفجير الانتحاري أعطت مفعولها في اتجاه «عودة الوعي» والتحرك العاجل لإعادة الحد الأدنى من الجدية لقواعد اللعبة السياسية في البلاد بما يبعدها في أسرع وقت ممكن عن كل ما علق بها من أدران في الفترة الماضية أضعفت مد التغيير الديمقراطي وعطلت الكثير من مفاعيله الأولى عقب الإطاحة بنظام بن علي عام 2011.
أسوأ ما يمكن أن يحدث لتونس، إذا لم يتعظ السياسيون سريعا بدلالة التفجير الانتحاري ليوم الاثنين ويعيدون ترتيب اجندتهم بالكامل، أن تصبح تونس تدريجيا مثل لبنان. بأي معنى؟؟ بمعنى أن يستقر تدريجيا كبلد ينعم بانتخابات غير مزورة وحرية تعبير واعلام لا حدود لها ولكن بطبقة سياسية فاسدة وأوضاع اقتصادية مزرية، واهتزازت أمنية بين الفينة والأخرى، وأن يسلم الناس أمرهم لله في النهاية بأننا لا نملك إلا هؤلاء وأنهم أفضل من الفراغ أو الفوضى.
من حسن حظ تونس أنها ليست لبنان لا في تعقيداته الطائفية ولا في رهانات الموقع الجغرافي وتحدياته ولذا فإن لتونس فرصة جيدة أن تنجو من بؤس مثل هذا المآل، خاصة مع وجود مجتمع مدني واع و نشيط، رغم أن عددا من الدول العربية لا تريد لتجربة تونس أن تكلل بالنجاح كنموذج يمكن أن يحتضن الجميع و لا يقصي أحدا، لكن لا مفر من الخطوة الأولى التي يجب أن تكون اتعاظ السياسيين، بقوة و سرعة، من العملية الأخيرة التي من ألطاف الله أنها لم تسفر عن مجزرة بين المدنيين، فهل هم فاعلون؟!!

 محمد كريشان

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: