مغاربيات

الربيع والتطبيع لا يلتقيان

في سالف الأيام، كان العرب يتنافسون على لقب الأكثر بعدًا عن التطبيع مع الصهاينة، والأعلى صوتًا في رفض الالتحاق بالمشروع الأميركي، والأوضح موقفًا في التمسّك بالحق الفلسطيني، كاملًا غير منقوص.

أما الآن، فجاء الوقت الذي يتصارع فيه العرب على من يكون الأكثر تطبيعًا، يستوي في ذلك التطبيع المباشر، الصريح، كما في حالة سلطنة عمان، أو التطبيع الموارب، كما في حالة توافد البعثات الرياضية الصهيونية على عواصم خليجية أخرى، الدوحة وأبو ظبي والمنامة، أو في تسهيل وصول صحافي إسرائيلي إلى الرياض والمدينة المنورة، بزعم أنه تسلّل خفيًة.

الأسوأ أن التهافت على التطبيع صار جزءًا من إدارة الصراعات العربية – العربية، مكايدة واستقواءً وحجزًا للأماكن المميزة في القطار الإسرائيلي الأميركي، وكأن تل أبيب صارت المخرج من الأزمات، تشدّ إليها الرحال، حين يستعر الصراع بين الأشقّاء العرب.

بهبوط طائرة رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني في مطار مسقط، مرورًا بأجواء السعودية والبحرين وقطر والإمارات، نكون بصدد زلزالٍ عنيف، يحمل الكيان الصهيوني إلى العمق الخليجي، من دون أدنى ممانعةٍ، إذ استبق الصهاينة قفزة سلطنة عمان بالوصول، بأعلامهم الرياضية، إلى الدوحة وأبو ظبي، ومن ثم لم يعد أحدٌ يملك القدرة، أو الجدارة، لانتقاد أحد، فالكل في التطبيع عربٌ، ثم يأتي أول توابع الزلزال بالإعلان عن مفاوضاتٍ مباشرةٍ بين البحرين والكيان الصهيوني لإقامة علاقات كاملة وعلنية.

في هذه اللحظة البائسة، بات أقصى ما تطمح إليه عاصمة عربية أن يقال إنها الأكثر تسامحًا وسعة صدرٍ مع رافضي التطبيع، وبعد أن كان معيار المفاخرة أن هذه العاصمة أو تلك عصيةٌ أكثر من غيرها على الاختراق التطبيعي، يتدنّى المعيار إلى الأكثر تسامحًا مع مظاهر الاحتجاج الخجول على الأنشطة التطبيعية، باعتبار ذلك دليل تنوّع وقبول للاختلاف في وجهات النظر.

تتيح هذه الوضعية لجمهور نظام عبد الفتاح السيسي، الذي هو منتج صهيوني بالأساس، فرصة التندر والسخرية من عواصم عربية كانت، حتى وقت قريب، تظهر اندهاشًا وامتعاضًا من هذا التماهي والانصهار الكاملين بين قاهرة الانقلاب العسكري، المدعوم إسرائيليًا، والاحتلال الصهيوني، المخدوم سيسيًا، الأمر الذي باتت معه أبواب التطبيع مفتوحةً، من دون مزايدة أو معايرة، إذ لم يعد مقبولًا، منطقيًا أو أخلاقيًا، أن يأتي شخصٌ ويبرّر التطبيع في نقطة، ويهاجمه في نقطة أخرى، فإذا اتفقنا على أن كل التطبيع جريمة في أي وقت.. وفي أي مكان، فإن إدانته واجبةٌ بالدرجة ذاتها، بصرف النظر عن حجمه وعن مرتكبه.

والحاصل أن تيار التطبيع لم يجد كل هذه المساحات المفتوحة للتمدّد إلا مع انكسار موجة الربيع العربي، ولو نظرت إلى ثورات الشعوب العربية قبل خمس سنوات، ستجد القضية الفلسطينية في القلب منها، ورافدًا أساسيًا من روافد الغضب والرغبة في التغيير والتحرّر من أنظمةٍ حكمت بالاستبداد والقمع، بحيث كان الربيع العربي سيرًا في الطريق المعاكس لنهج التطبيع، حيث تتأكد المعادلة بأن الربيع والتطبيع لا يلتقيان، فالذي يقف مع التطبيع سيكون بالضرورة ضد الربيع ولو قال فيه شعرًا.

وعلى ذلك، ليس غريبًا أن من يحاربون الربيع العربي، على مدار السنوات الخمس الماضية، هم الأكثر هرولةً في اتحاه التطبيع، والأشد تلمظًا من مشروع مقاومة الانقلابات والاحتلال، إذ يشكلون فيما بينهم محورًا معاديًا للتغيير والتحرير معاً.

وائل قنديل

الوسوم

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: