مقالات

محمد بن سلمان يعزي: عظم الله أجركم في ديمقراطية تونس

 

هل هي الصدفة وحدها التي جعلت عاهل السعودية وولي عهده يقرران السبت الماضي، بتزامن مع اعتراف المملكة رسميا بمقتل الصحافي جمال خاشقجي، أن يبعثا إلى الرئيس التونسي ببرقيتي تعزية في وفاة ستة تونسيين قضوا نحبهم في الفيضانات التي ضربت الاسبوع الماضي أنحاء من تونس؟ ربما كان الامر سيبدو عاديا وغير جدير بالاهتمام إن حصل في تاريخ آخر. فما جاء في البرقيتين من تعبير عن “أحر التعازي وأصدق المواساة ” ودعاء بـ”الرحمة للمتوفين” كان سيظهر حينها طبيعيا وحتى مقبولا. ولكنه في الظرف الحالي لم يكن كذلك.

فالملك وولي عهده اللذين اعترفا تحت الضغط الدولي بمقتل الصحافي المغدور، لم يقرا إلى الآن بأنهما مسؤولان عن العملية، بل ألقيا بالتهمة كاملة على من وصفهم ترامب بالعناصر المارقة. وهما، أي العاهل السعودي وابنه لم يعزيا إلى حدود ذلك اليوم أيضا لا الشعب السعودي ولا العائلة المصغرة للفقيد. فهل يمكن أن يكون شعورهما الإنساني قد اهتز فجأة لوفاة ستة تونسيين في كارثة طبيعية، وسكن بالمقابل في جريمة قتل شنيعة لمواطن سعودي داخل مقر رسمي؟

أليست تلك مفارقة من قبيل المضحكات المبكيات ؟ لقد وصلت كلتا البرقيتين في وقت كانت فيه تونس الرسمية تلازم الصمت المطبق على جريمة اغتيال الصحافي الراحل، ولم تخرج في البلد ـ الذي قال عنه الفقيد في آخر مقالاته، إنه الوحيد الحر من بين بلدان العرب ـ ولو مظاهرة يتيمة للتنديد بالجريمة المريعة. وحتى عندما ارتفعت بعض الأصوات مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل فيما كان يسمى قبل ايام “قضية اختفاء خاشقجي” مثلما فعل الائتلاف المدني للدفاع عن حرية التعبير، أو حين دعت بعض الشخصيات كالرئيس السابق المنصف المرزوقي لقطع العلاقة مع النظام السعودي، فقد ظل كل ذلك مجرد مبادرات محدودة لم تجذب الرأي العام على نطاق واسع. وقد يكون السبب، ان تونس مشغولة للآخر بصراعات السلطة، وبالازمات المالية والاجتماعية الحادة، التي تتراكم فيها يوما بعد آخر، وحتى بمحنة الفيضانات التي تزيد في معاناة عدد كبير من طبقاتها الكادحة.

السعودية بلد لا قانون ولا تشريع ولا دستور فيه غير ما ينطق به أولو الأمر الذين هم بالنهاية أشباه آلهة يفترض أن لا يتكلموا عن هوى ومن الواضح أن تلك الطبقات بالذات لا تبدي انشغالا بمقتل صحافي سعودي داخل قنصلية بلده، وقد لا تعنيها كثيرا حتى الحريات التي حازتها بشق الأنفس، لأن كل ما يهمها هو تحصيل لقمة عيشها لا غير. ولاجل ذلك فلا غرابة أن يصفها البعض بـ”حزب الخبزة”. ولعله كان من بين المنتمين لذلك الحزب من قرأ تغريدة مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ التي قال فيها إن بلده “محسود على دينه ومحسود على أمنه ومحسود على قيادته ومحسود على رخائه وخيراته ومحسود على إجماع كلمته ومحسود على تآلف صفه”، في باب تعليقه على ما وصفها بـ”الدعايات المضللة” التي تزعم تورط القيادة الرشيدة بمقتل الصحافي البارز جمال خاشقجي، ثم عقب عليه هازئا بأن التونسيين إن حسدوا السعوديين فلن يحسدوهم إلا على ما يملكون من ثروات، أما قيادتهم وأمنهم وإجماع كلمتهم وتآلف صفهم فلا تعنيهم. أما من كانت الحريات على العكس هي رأسماله الأهم، فإنه لن يستنكف من أن يرد بان تونس هي المحسودة على حرياتها. وقد يضيف إلى ذلك بانه قد لا يكون مهما أن الاعمى وحده من سيصدق، كما كتب دانيال بنجامين في مجلة “فورين أفيرز “إن ولي العهد السعودي لم يأمر بالعملية التي كلفت خاشقجي حياته”، لأنه بإمكان أي شخص أن يفهم أن التصديق أو التكذيب لم يعد يفرق بنظر المسؤولين السعوديين، وأنه لم يدفعهم كما يبدو لأن يدققوا جيدا قبل أن يخرجوا بعد مضي ثمانية عشر يوما من مقتل الصحافي المغدور بروايتهم الرسمية الأولى لما جرى داخل مقر قنصليتهم. ولأنه ليس باستطاعة أحد أيضا أن ينتظر أو يترقب منهم العكس، وأن يتصور أن مجرد شعورهم بان استغباء العالم والاستخفاف بذكاء شعبهم لم يعد ممكنا، بعدما تكشفت الحقائق أمام العالم، أو أنهم سيقرون ببساطة ووضوح واستسلام وانقياد تام بأنهم متورطون من أعلى رأسهم حتى أخمص قدميهم في احتجاز الصحافي المغدور وتعذيبه حتى الموت، وأنهم مستعدون للحساب والقصاص في الدنيا قبل الآخرة جزاء ما اقترفوه.

فبلدهم أي السعودية ليست جمهورية موز على حد تأكيد وزير خارجيتها خلال الازمة الاخيرة مع كندا، حتى يحصل فيها، لا سمح الله، بعض ما قد يحصل في العادة داخل تلك الجمهوريات عندما يرتكب أحد من كبار مسؤوليها خرقا أو تعديا صارخا على حقوق الآخرين أو على التشريعات والقوانين السارية فيها، فتبادر على الفور وبغض النظر عن اسمه أو موقعه لتجريده من كل حصانة وتدفعه دفعا نحو الانسحاب والاستقالة وترك المنصب، مبقية مصيره رهنا بيد القضاء. وهي ليست بالتأكيد لا البرازيل ولا الأرجنتين ولاغواتيمالا، ولا غيرها من الدول التي يبدي الحكام فيها اهتماما ولو شكليا بحياة الفرد، أو حتى بالحفاظ على صورة وردية للنظام في نظر الشعوب.

إنها بالمختصر بلد لا قانون ولا تشريع ولا دستور فيه غير ما ينطق به أولو الأمر الذين هم بالنهاية أشباه آلهة يفترض أن لا يتكلموا عن هوى، ولا ممكن أو مباح إلا ما تقره وتجيزه ارادتهم العلية، ولا ممنوع أو محظور إلا ما تنبه اليه وتحذر من مغبة الاقتراب منه. وهم أي ولاة الامر يعرفون اكثر من غيرهم ما ينفع الناس وما يصلح لهم ويدركون بالمثل ايضا ما لا يصلح لهم ويضرهم، ولأجل ذلك فإن في قراراتهم وحدها تكمن ما توصف بالمصلحة الوطنية العليا للبلد. ولأنهم لا ينازعون ولا يناقشون ولا يرد لهم طلب، فإنهم احرار في ما يفعلون بشعبهم. ولكن ما الذي يطلبه هؤلاء من بلد صغير خرج للتو عن سرب الاستبداد العربي، ومازال يحاول التحليق بعيدا عنه؟ هل ينتظرون مباركة تونسية للجرائم والانتهاكات التي قد لا تكون مأساة خاشقجي سوى شجرة في غابتها الشاسعة والمجهولة؟ إنهم يعلمون جيدا أن مواقف المساندة العمياء لجريمة الاغتيال الوحشية التي وصلتهم من مصر والامارات والبحرين، لن تساوي حتى الحبر الذي كتبت به، وانها لا تفيدهم في كسر العزلة، أو في تخفيف الطوق الذي بدأ يضيق عليهم. ولعلهم يفسرون صمت دول اخرى كتونس على أنها مباركة ضمنية لأفعالهم. ورغم أنهم يدركون أن الحل والربط يبقى فقط في واشنطن ودول الغرب، إلا أنهم يتمنون أن يقطع التونسيون بالذات شوطا آخر فيصدروا ولو بيان تأييد لهم في قضية خاشقجي. أما ما الذي يمكن أن يحصل في صورة ما اذا تحقق ذلك فعلا وسقطت ديمقراطية تونس في الشرك؟ الارجح هو أنهم سيرسلون حينها برقية تعزية اخرى للرئيس التونسي تقول كلماتها: “البقية في حياة ديمقراطيتكم التي كنا من المتيمين بها قبل أن يتوفاها الاجل المحتوم بعد واقعة قنصلية اسطنبول”

نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: