اهم الاخبارمقالات

سمة الحياة السياسية في تونس… العجز

 

هذه الأيام نعيش أسوأ أيامنا في تونس. انقطاع لبعض أنواع الأدوية، وللمواد الأساسية كالحليب، مع غلاء الأسعار وخيارات اقتصادية تسير نحو مزيد من الاقتراض، وتدهور قيمة الدينار، وضعنا لا نُحسد عليه، والأصعب من ذلك أننا عاجزون.

السياسيون عاجزون، كما يظهر لنا على الأقل، لا يوجد بديل أو حلول متاحة، الجميع يقول لنا إننا نعيش أزمة، لكن لا أحد يقدم لنا إمكانيات متاحة للخروج منها، والحقيقة أننا لا نحتاج من يذكرنا بها لأننا نعيشها في مستوى أول، فنحن ضحايا مباشرون لعجز السياسيين. ولذلك يزداد شعورنا بالعجز ويزداد معه الإحباط كلما تحدث السياسيون بلغة الناس الذين لا تعنيهم إلا حياتهم الخاصة، والذين ليس لهم مجال للتصرف.

لماذا إذا ينوب السياسيون عن الناس في التصرف بشؤونهم العامة؟ إذا كان الجميع عاجزا أمام مشاكلهم، وإذا كان المثقف والسياسي والخبير لا يجد مخرجاً من هذا المأزق، فماذا يمكن أن يحدث لباقي الناس من حولهم؟ ثم ماذا قد يستفيد الناس عندما يكون لهم طبقة من محترفي السياسة الذين يطاردون التصويت فقط، ولا يجدون حلولا عندما يُنتخبون!

هذه السيرورة المعقدة فتحت المسار التوافقي على واجهة الارتزاق واستغلال السلطة ومؤسسات الدولة لخدمة المصالح الخاصة

لقد أدى عجز السياسيين عن الفعل، ونقصد هنا الفعل الإيجابي في السياسة، أي تغيير الوضع نحو الأفضل، إلى أزمة عيش يومي لدى المواطن، فالحياة أصبحت تتعقد يومياً، الطلبة والعمال والموظفون الذين يتنقلون يومياً عبر وسائل النقل ويستغلون في مؤسسات الدولة ويدرسون في مؤسسات التعليم العمومية، أو الخاصة بدرجة أقل، ويتعاملون مع الإدارات بشكل يومي، والمصحات والمستوصفات، كل هؤلاء يقاسي معظمهم من سوء الخدمات وترديها، وربما يفتقدونها تماما في أماكن ما.

لقد أجاب السيد عماد الحمامي وزير الصحة يوما لما سُئل عن أزمة الأدوية بأنه لا يجد أي بد للحديث عنها، وأنه دائما ما يرسل “سائقه” ليجد الدواء متوفراً في الصيدليات. كان هذا تصريحاً مثيراً للسخرية بالقدر نفسه الذي يعبر به عن عجزه. لقد عجز السياسيون لا عن الممارسة المستقلة فقط، وإنما أيضا عن الاعتراف بالحقائق، وأولها أن أوضاعنا ليست “تحت السيطرة”.

أدى التوافق السياسي الحزبي الذي حصل بين حزبي “نداء تونس” و”النهضة” منذ انتخابات أكتوبر 2014 إلى انسداد سياسي وأزمة اقتصاد حادة، أديا إلى أزمة معيشة لا تدل أي مؤشرات كمية أو نوعية إلى انفراجها القادم، وإنما تؤكد كل الأحداث السياسية اليومية إلى غياب أي أفق للاصلاح أو التغيير.

لقد تحول الصراع السياسي في تونس إلى صراع حول السلطة ولا معنى للأفكار والبرامج فيه، ولم يعد لهذا الصراع أيضا ارتباط بمسار الانتقال الديمقراطي الذي يفترض توافقا سياسيا وطنيا جامعا، ينهي الخلافات، ولا يزيدها، والذي أثبت هشاشته بإنهاء توافق حزبي “نداء تونس” و”النهضة” لنشهد في الأيام القادمة توافقا جديدا بين “حركة النهضة” و”نسخة جديدة” من حزب نداء تونس بقيادة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، الذي دخل صراعا قويا مع حزبه “نداء تونس”.

هذه السيرورة المعقدة فتحت المسار التوافقي على واجهة الارتزاق واستغلال السلطة ومؤسسات الدولة لخدمة المصالح الخاصة، وسوء توزيع الثروة، ما أدى إلى سياسة الإفلات من العقاب والافتخار باللامسؤولية وتبريرها، كل ذلك يعبر عن عجزنا، وعدم القدرة على التصرف والتأثير المباشر بتغيير المسار نحو آخر أقل كلفة سياسية واجتماعية ونفسية.

حمدي بالناجح

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: