اهم الاخبارمقالات

تونس و”النهضة” وخاشقجي

 

وجه أخيرا ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، برقية مواساة إلى الرئيس التونسي، الباجي السبسي، على أثر الفيضانات التي أدّت إلى موت بعض المواطنين. وعلى الرغم من أن البرقية تعتبر إجراء عاديا يحصل بين أي دولتين تربطهما علاقات طيبة في العموم، إلا أن توقيت البرقية جعل بعضهم يربطونها بالتعاطف الذي أبدته عدة دول عربية مع قيادة المملكة بسبب مقتل الصحافي جمال خاشقجي.

لزمت السلطات التونسية الصمت في هذا الشأن، ونأت رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان عن التوقف عند الحادثة الفظيعة. ولعلها فعلت ذلك في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات في المسألة، كما أن هذه الأطراف لا ترغب في حدوث أزمة جديدة مع المملكة، خصوصا أن الرأي العام التونسي تابع، كغيره من الشعوب، تفاصيل هذا المسلسل المرعب، وهو لا يزال تحت صدمة ما بلغه من روايات وتفاصيل تنتظر ما يؤكدها. كما أن الأحزاب ونشطاء المجتمع المدني أصابهم غضب شديد، على الرغم من أن كثيرين منهم لا يتعاطفون سياسيا وفكريا مع الضحية، فما تعرض له الفقيد من تنكيل قبل وفاته لا يمكن أن يترك أي صاحب ضمير في حالة طبيعية، والذين يقفون وراء الجريمة ولّدوا موجة عارمة من المشاعر المعادية للمملكة في الشارع التونسي، على الرغم من العلاقات التاريخية الوثيقة التي ربطت الشعبين منذ فترة طويلة، تعود إلى مرحلة الحركة الوطنية.

حتى حركة النهضة تجنبت رسميا تناول هذه المسألة في بياناتها. لقد بذل قادتها، وفي مقدمتهم رئيسها راشد الغنوشي، محاولاتٍ عديدة في سبيل إعادة تطبيع العلاقة مع القيادة السعودية. وتجنبت الحركة الدخول في اشتباكٍ مفتوح مع الرياض وأبو ظبي اللذين يشنان، منذ فترة، هجوما قويا ضد حركات الإسلام السياسي، بما في ذلك حركة النهضة التي يعتبرانها جزءا من “الإخوان المسلمين”. وعلى الرغم من أن نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، إبراهيم منير، قد صعّد في تصريحاته أخيرا ضد محمد بن سلمان، من دون أن يذكره بالاسم، وقال، في حواره لموقع عربي 21، “نحن في انتظار اكتمال التحقيق وإعلان نتائجه؛ فلم يعد الآن أمامنا كشهادة حق وأمانة للتاريخ غير الإعلان عن الإدانة الكاملة لهذه العملية الإجرامية، والمطالبة باستكمال إعلان كل تفاصيلها، وإعلان جميع المتورّطين فيها، مهما كانت مواقعهم، بعد أن تخطت القضية حدود الدول”، إلا أن حركة النهضة لم تندفع في هذا الاتجاه، على الرغم من العلاقات الشخصية التي كانت تربط الغنوشي بجمال خاشقجي الذي اعتبر في مقال أخير في “واشنطن بوست” أن حركة النهضة تعتبر المثال الناجح لما سمي “الإسلام الديمقراطي”.

مؤكّد أن “النهضة” تنتظر أن يغلق هذا الملف، من دون أن تظهر صورتها على شاشة القيادة السعودية، وكأنها تقول في نفسها “بيدي لا بيد عمرو”. ولا شك في أن عموم الإسلاميين يأملون في أن تفضي هذه الحادثة إلى تغييراتٍ عميقةٍ في الداخل السعودي، بعد أن اتّسعت رقعة العداء بينهم وبين ولي العهد محمد بن سلمان، لكن لا أحد يجزم بأن هذا السيناريو حتمي الوقوع، حيث تبقى احتمالات أخرى واردة، قد يستبعدها “الإخوان المسلمون” نظرا للضرر الشديد الذي أصابهم، بسبب مساندة السعودية النظام المصري في حربه ضدهم، إلا أن قيادة حركة النهضة فضّلت أن تمسك نفسها حتى لا تنقطع شعرة معاوية التي تربط بينها وبين الرياض، فالمستقبل مفتوح على أكثر من سيناريو، خصوصا أن “النهضة” تمر بوضع صعب على أكثر من صعيد، وهو ما يجعلها مدفوعةً نحو التفكير في مصالحها القريبة والبعيدة، قبل أن تتورّط في موقف قد يكلفها الكثير، بعد أن تهدأ الزوبعة، ويتشكل مشهد سياسي جديد داخل المملكة أو في المنطقة.

هذه من بين إكراهات العمل السياسي، حيث يضطر الفاعلون أن يسيطروا على عواطفهم الجياشة في سبيل حماية مصالح يعتبرونها حيويةً، ولا يحق التفريط فيها. ولا شك في أن تداعيات اغتيال خاشقجي قد تكون ضخمة، لكن للحركات الإسلامية حسابات ليست بالضرورة واحدة ومتجانسة.

صلاح الدين الجورشي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: