مقالات

رغم الاعتراف بمقتله: هكذا ستذوب قضية خاشقجي في المصالح الأمريكية السعودية

“صدق قضية ما، هو في كونها مفيدة بصرف النظر عن مدى فساد محتواها أو صلاحه”، تلك هي الفلسفة التي سوقها أساطين الفكر النفعي أمثال جون ديوي ووليم جيمس وغيرهما، إذ قدموها للمجتمع الأمريكي باعتبارها أعلى منتج حضاري يحقق أحلام العقلية الأمريكية، وكانت هذه الفلسفة هي لب الفكر السياسي الأمريكي القائم على النفعية البحتة.

عودة إلى قضية الساعة، وأعني اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والذي حسمت السعودية الجدل بشأنه بعد اعترافها مؤخرًا بوفاته بعد دخوله القنصلية في 2 تشرين الأول/اكتوبر بمدينة إسطنبول على يد “مشتبه به” دخل في اشتباك بالأيدي مع خاشقجي أدى الاشتباك لوفاته، وفق الرواية الرسمية السعودية.

الرواية السعودية التي قد لا تقنع أحدًا في العالم بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ودائرة الصقور الجمهوريين المحيطة به، وهو يوقع السعودية في حرج أمام الإدارة الأمريكية، إلا أن حسابات الربح والخسارة لدى واشنطن ستجعل هذا الاعتراف السعودي كافيًا لديها للإبقاء على العلاقات مع المملكة في إطارها القوي المتين، فالولايات المتحدة تحتاج إلى السعودية ربما أكثر من حاجة السعودية إليها.

كل ما تحتاجه السعودية من الولايات المتحدة ثمة بدائل عنه لدى الصين وروسيا ودول أخرى تنافس الولايات المتحدة في شتى المجالات، والأهم المجال التسليحي الذي يحظى باهتمام القيادة السعودية لتطوير قدراتها القتالية وبناء قوة عسكرية إقليمية في المنطقة قادرة على التصدي للتهديدات والمخاطر التي يمكن أن تتعرض لها المملكة.

لكن ذلك لا يعني أن السعودية يمكنها الاستغناء كلية عن الولايات المتحدة، وستظل بحاجة إلى توفير الحماية الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة لدول منظومة مجلس التعاون الخليجي بشكل مشترك وفق مظلة واحدة ضمن تفاهمات بين الإدارة الأمريكية والدول الست منذ عقود.

كما أن السعودية التي تطمح أن تلعب الدور الإقليمي كدولة هي الأقوى والأكثر تأثيرا وقدرة على التصدي للخطر الإيراني، ستظل بحاجة إلى الدعم الأمريكي متعدد الجوانب والحفاظ على سياسة أمريكية مناهضة لإيران ومتصدية لها خلافا لإدارة باراك أوباما التي عززت كثيرا النفوذ الإيراني في أربع دول عربية، على حساب الدور العربي الذي تعد السعودية في مقدمة الدول العربية المؤهلة لقيادة محور مناهض للخطر والتهديدات والعبث الإيراني المباشر بالدول العربية، أو عبر وكلاء محليين من أبناء هذه الدول يدينون بالولاء لإيران ويغلبون مصالحها على مصالح بلدانهم.

الحاجة الأكبر في مرحلة إدارة ترامب تقدمتها الصفقات المليارية مع السعودية ضمن طموح ترامب توفير فرص عمل لملايين العاطلين الأمريكيين، والخروج من حال الركود في مبيعات الشركات العملاقة المنتجة للسلاح، وهو ما يعرف باسم المجمع الصناعي، الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة في بناء اقتصادها للتقدم إلى المستويات الأولى في العالم، والأهم بناء القدرات العسكرية لتتبوأ قيادة العالم وفق ما يريده لها ترامب الذي رفع شعار “أمريكا العظمى”.

 

وستظل الولايات المتحدة بحاجة إلى السعودية في إنفاذ حربها الكونية على ما تسميه “الإرهاب” في المنطقة والشراكة في دحر التنظيمات الإسلامية “المتشددة”، “داعش” والقاعدة وغيرهما، وهو هدف مشترك لا يمكن للولايات المتحدة التي ترى في تلك التنظيمات تهديدا مباشرا لأمنها القومي، التصدي له دون مشاركة فاعلة ومباشرة من السعودية في تمويل مكافحة الإرهاب والمشاركة في العمليات القتالية والتصدي للأيديولوجيات التي تغذي التنظيمات والجماعات المتشددة، وقد قدم الدعاة وعلماء الدين السعوديون بتوجيه حكومي إلى جانب عدة مراكز فكرية، الكثير في هذا الشأن بما يخدم أيضا الولايات المتحدة.

وتدرك الولايات المتحدة أن غض نظر حكومي وتهاونا في محاربة أيديولوجيات التنظيمات والجماعات المتشددة سيعطي ما يكفي من المساحة لتغذية المتشددين فكريا بأيديولوجيات تساعد على اتساع قاعدتهم الجماهيرية حول العالم طالما ثمة اعتقاد بأن البيئة السعودية بيئة خصبة لمثل تلك الأيديولوجيات وتنميتها عبر الدعاة والعلماء الذين لعبوا الدور الأكبر في سابق تجربة أفغانستان، عندما حشدوا الرأي العام الإسلامي والشباب “للجهاد” ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

إذا كانت الولايات المتحدة تهمها مشاركة السعودية في الحرب على الإرهاب منذ ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واستمرار ذلك في الإدارات السابقة حتى ترامب، فإن هذه الإدارة تميزت عن سابقاتها بثنائية الحرب على الإرهاب والتصدي للنفوذ والتهديدات الإيرانية في المنطقة والعالم.

ولا تبدو الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ استراتيجياتها بعيدة المدى ضمن إطار تلك الثنائية دون مشاركة فاعلة من السعودية.

لكن ترامب ظل على الدوام يشدد على أهمية التحالف الأمريكي السعودي، وكرر مرارا أنه لا يريد خفض مبيعات الأسلحة التي بلغت صفقاتها 110 مليار دولار وفرت ملايين الفرص للعاطلين عن العمل وأرباحا للشركات العملاقة ذات النفوذ الواسع في القرار الأمريكي ورسم الاستراتيجيات والسياسات الخارجية.

وإذا كان ترامب أكد أنه لا يرغب في المساس بصفقات السلاح، إلا أنه في مقابل ذلك يؤكد على فرض عقوبات معينة على السعودية.

سيحتاج الرئيس الأمريكي إلى دعم السعودية الكامل لسياساته في الشرق الأوسط؛ ففي 4 تشرين الثاني/نوفمبر ستدخل العقوبات الأمريكية على إيران حيز التنفيذ، وما يتبع ذلك من حاجة أمريكا إلى السعودية لزيادة الإنتاج من نفطها لمنع ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمي، واستجابت السعودية في وقت سابق لطلب الولايات المتحدة برفع سقف إنتاجها اليومي من النفط وستكون الولايات المتحدة بحاجة أكبر لموقف سعودي مماثل بعد سريان العقوبات على إيران.

سيكون على الرئيس ترامب مواجهة ضغوط أعضاء الكونغرس الذين قدموا طلبا رسميا بفرض عقوبات على مسؤولين سعوديين بارزين في إطار إعادة تفعيل العمل بقانون “غلوبال ماغنيتسكي” المتعلق بالمحاسبة في مجال حقوق الإنسان، وفرض حظر على منح تأشيرات السفر، وتجميد الأصول المالية في أمريكا.

في كل الأحوال، هناك متغيرات في السياسة الأمريكية والعلاقات الثنائية قد لا تكون برغبة من الدائرة المحيطة بالرئيس، لكنها استجابة اضطرارية للضغوط التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية والرئيس بشكل خاص سواء من دعاة حقوق الإنسان أو من بعض أعضاء الكونغرس.

احسان الفقيه

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: