مقالات

الرئيس الفلسطيني جيرمي كوربن

 

لو أغمضت عينيك، واستمعت لخطاب زعيم حزب العمال المعارض، جيرمي كوربن، من دون أن تعرف مَن المتحدث، لتمنيت لو أن هذا الإنكليزي اليساري المتمرّد هو الرئيس الفلسطيني، فقد نجح الرجل في التعبير بصدق عن الشعب الفلسطيني وحقوقه وتطلعاته ونضاله، وندّد بعنصرية إسرائيل، وانتقد، بقوة ورباطة جأش، إمعانها في الاستيطان والتهويد.

هذا الرجل أحق بقيادة الشعب الفلسطيني من رئيسه الحالي، للأسباب التالية:

أولا، لأنه ألقى خطابا قويا ضد إسرائيل من دون خوف ولا وجل، على الرغم من حملة التخويف والتشهير القاسية التي شنّها اللوبي الإسرائيلي ضده، وكادت تُفقده منصبه، فيما اختار الرئيس محمود عباس لغة الاستجداء في محفل دولي، لا يعرف إلا لغة القوة والمصالح. كما طالب كوربن بوقف تصدير السلاح لإسرائيل، ومنع بيع الأسلحة لها، بينما طالب الرئيس عباس بتجريد المقاومة من سلاحها. حمّل كوربن إسرائيل مسؤولية تعثر إحلال السلام وندّد بعنصريتها، فيما تحدّى الرئيس عباس أبناء شعبه في خطاب الأمم المتحدة، مهدّدا حركة حماس بأن له معها شأنا آخر، في الوقت الذي كانت لغته أنعم مع إسرائيل، إذ جدّد استعداده للجلوس مجددا على طاولة المفاوضات معها! أكد كوربن على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته والعودة إلى أرضه، فيما قال أبو مازن سابقا إنه لا يريد العودة إلى صفد.

بعيدا عن المقارنة أعلاه، فليس المراد هنا الهجوم على الرئيس، وإنما تذكيره بأن القضية الفلسطينية هي قضية تحرّر وطني، تحتاج قيادات تصدح بصوت عال بالحق، تحتاج عزم الثائر وصلابة الفدائي وعناده، فبإطلالة سريعة على سيرة المناضل اليساري، كوربن، يتضح لنا أن قضية الشعب الفلسطيني هي قضية تحرّر وطني، لا يشترط فيمن يعبّر عنها أن يكون فلسطينيا، بل وطنيا، مؤمنا بحق الشعوب في التحرّر من المحتل. فهذا الرجل الذي تظاهر عام 1984 ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا واعتقل هناك، هو ذاته الذي لم يغب

“يصلح بيان حزب العمال أن يكون برنامجا وطنيا موحدا لقيادات الشعب الفلسطيني” عن أي تظاهرةٍ مندّدة بالاحتلال الإسرائيلي، فلا يذكر فلسطيني أو أي من مناصري القضية الفلسطينية أن جيرمي كوربن تغيب يوما عن أيٍّ من التظاهرات المندّدة بالاحتلال الإسرائيلي، والمناصرة لحقوق الشعب الفلسطيني، فالرجل ظل حاضرا دوما في كل الفعاليات المندّدة بالاحتلال والحصار، خطيبا مفوّها ملهما للجماهير في التظاهرات التي كانت تجوب لندن دعما للقضية الفلسطينية، فيما كان بعض العرب، أو حتى الفلسطينيين، يخرجون على شاشات الفضائيات العربية، ليس للتنديد بالحرب الإسرائيلية على غزة، بل لتصفية الحسابات الحزبية بتحميل المقاومة مسؤولية استفزاز المحتل، ودفعه إلى شن حروبه، وكأن إسرائيل تحتاج مبرّرا لقتل الفلسطينيين. كوربن ذلك اليساري هو أقرب إلى الله من بعض من يقولون إنهم دعاة لله، إذ نصر هذا اليساري الإنجليزي عباد الله في غزة، ووقف معهم، في الوقت الذي انشغل بعض الدعاة بالتأصيل الشرعي، وجمع الأدلة على أن التصدي لإسرائيل وخوض حربٍ معها من “إلقاء النفس في التهلكة”، “فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”.

ليس مقصد هذه المقالة التهجّم على العلماء ولا غيرهم، لكن ينبغي إعطاء المناضلين الذين دعموا القضية الفلسطينية حقهم، فالفلسطينيون بحاجةٍ لهؤلاء في تصدّيهم لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، فأعلام فلسطين التي رفرفت في مؤتمر حزب العمال أخيرا في ليفربول أعطت إشارة واضحة إلى أنه، على الرغم من الحملة الشرسة على الحزب وقائده، إلا أن دعم أعضاء حزب العمال القضية الفلسطينية هو من ثوابت عقيدتهم الحزبية، حيث كان العلم الفلسطيني الوحيد الذي سُمح برفعه داخل قاعة المؤتمر، باستثناء العلم البريطاني، ورفع معظم الحاضرين في المؤتمر العام لحزب العمال أعلاما فلسطينية، تزامنا مع طرح الحزب مقترحات بخصوص حقوق الفلسطينيين، وإقامة دولتهم المستقلة، ودعوات إلى رفع الحصار عن قطاع غزة، والتحقيق في استخدام إسرائيل القوة ضد المتظاهرين عند حدود القطاع. كما أقر مؤتمر الحزب عدة تعهدات، في حال فوزه في الانتخابات المقبلة، أبرزها الدعوة إلى تحقيق مستقل في استخدام إسرائيل القوة ضد المتظاهرين الفلسطينيين، وتجميد بيع السلاح لها، وإنهاء حصار غزة، كما استنكر المؤتمر العام “إعادة كتابة تاريخ الشعب الفلسطيني وشطب ضحايا حرب عام 1948، والذين خرجوا من أراضيهم”، في إشارة إلى محاولات تصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا).

يصلح بيان حزب العمال أن يكون برنامجا وطنيا موحدا لقيادات الشعب الفلسطيني، “فيا فلسطينيي العالم اتحدوا”، هذه رسالة عمّال بريطانيا، فهل تصل؟

محمد أمين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: