مقالات

الأشجار واغتيال خاشقجي: الاستبداد والإسلاموفوبيا

 

كل المؤشّرات المتوفرة، ومنها تصريحات السلطات السعودية، أخيرا، فضلا عن التسريبات الإعلامية العديدة التي نقلت بعض وقائع اختفاء الصحافي جمال خاشقجي بالذات، ترجّح أن الرجل تعرّض لعملية اغتيال بشعة، لا تتسع لها روايات “الشجار” التي تظل متهافتة، خصوصا أن جملة من الإجراءات الفورية اتخذت بحق مسؤولين رفيعي المستوى من منتسبي جهاز المخابرات. ومع ذلك تظل جملة من الأسئلة المعلقة تبحث عن أجوبة. لن تعنينا الأسئلة المتعلقة بهوية القاتلين، ولا أيضا أساليب التعذيب التي قد تكون مورست على الضحية، مع أنها أسئلة مهمة، لكنها لا تفوق أهمية عن سؤال آخر طرح أخيرا: لماذا جمال خاشقجي بالذات؟ ولماذا بهذا الأسلوب السادي والمتوحش تحديدا؟ يظل الاغتيال بشعا والقتل جريمة نكراء. ولكن، لماذا اختار مرتكبو هذه الجريمة النكراء تلك التفاصيل المريعة، فكأن القتل لا يكفي، حتى نضيف إليه تلك البشاعات: وصفات من التعذيب والتشفّي (موسيقى..)، خلنا أنها انقرضت مع اختفاء بلاطات السلاطين والامبراطوريات القروسطية. ربما تهمّنا روايات وأفلام المهووسين بالقتل وطقوسه فرضيات قد تضيء عتمات مهمة في قصة اغتيال خاشقجي لو ثبت ذلك. لا ندري إن كان من نفّذ يحمل، في طيات شخصيته، مبرّرات شخصية لهذه الشناعات المرتكبة، حتى تكون السلوكات تلك متصلة بشخصيات مرضية مهووسة بمصّ الدماء واشتمام رائحة الجثث. يقال عادة إن هؤلاء يقتلون بدم بارد، وما أحسبهم فعلوا مع خاشقجي.

حدثت الجريمة وكأنها خارج الزمان والمكان والسياق أصلا، حتى خلنا أنهم استدرجوننا إلى أحد البلاطات التي وصفها الطبري، أو ابن الأثير، فيما كتبا عن وصفات التعذيب التي مارسها الملوك مع من خالفوهم (لم يكن لعرب الجاهلية ممارسات تعذيب على الرغم من حروبه  الطويلة)، كما توهّمنا أيضا أن سياسات تصفية المعارضين السياسيين خارج أوطانهم بالمعنى المعاصر توقفت منذ أكثر من عقدين، وهي الموضة التي انتشرت في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، ثم تراجعت حتى كادت تختفي، خصوصا بعد سقوط جدار برلين، وتراجع الأنظمة الشمولية، وتوسّع دائرة الديموقراطية، واستهجان الاغتيال السياسي تحديدا، حتى غدا قمع معارضي الداخل أقسى ما تتجرأ عليه أنظمة الاستبداد، ضمن وصفات التعذيب المحلي، فما الذي دفع من اغتالوه إلى استئناف موضةٍ ولّت، أو كادت تنقرض؟

يُحسب جمال خاشقجي على تيار إصلاحي واسع، فقد تقلّد مناصب ووظائف رسمية عالية، ما جعله “ابن النسق السياسي”، حتى وُصف، في سياقات عديدة، بأنه “ناطق غير رسمي للسلطات، وتحديدا الملك سلمان”. دافع، خلال ما كتب أو حاضر، عن السياسات الخارجية للسعودية، خصوصا في الملفات الإقليمية المهمة، ومنها الموقف من التوسع الإيراني والثورة السورية، فقد كان الرجل مقرّبا ومواليا، غير أنه بدأ يرسم مسافات حذر وتحفّظ، مند قاد ولي العهد الشاب الإجراءات التي حرص على أن يسوّقها حملة إصلاحات تمهّد لعهده: إيقافات واسعة شملت أمراء ورجال أعمال ونشطاء حقوقيين وقيادات الحراك النسوي من فتيات ونساء سعوديات، علاوة على رموز التيار الديني الإصلاحي من دعاة وجامعيين.. إلخ. ربما كان يُنظر إليه إصلاحيا ليبراليا معتدلا، مع ميولات إسلامية عامة. وفي كل الحالات لم يكن يعادي سياسات بلاده، فما الذي رجح حتمية تصفيته بتلك الطريقة الشنيعة؟

لم يكن الرجل معروفا في أوساط شعبية عديدة، ونخب قليلة كانت تتابع كتاباته وأنشطته في المنتديات التي كان يقدّم فيها قراءة أخرى لعلاقة الإسلام بالديموقراطية والثورات العربية والإسلام السياسي، وغيرها من المواضيع ذات الصلة بالتحولات الجارية في البلدان العربية، ومنها المملكة تحديدا. كان الرجل متحفظا تجاه ما يحدث في بلاده، لكنه لم يكن معارضا بالمعنى التقليدي أو الحركي، فقد عرف عنه معارضته هذه التصنيفات، مختارا “أدب النصح للأمير” منهجا. ومع ذلك لا شيء يرشحه للتصفية بذلك الشكل الوحشي، إن صدق ما يتم تداوله من روايات مرعبة.

فرضيتان لا ثالث لهما تفسران الخطوة المجنونة التي أقدم عليها القتلة، فقد يكون لخاشقجي تأثير لدى بعض نخب صنّاع القرار، وهو الذي دُعي، في الأسابيع الأخيرة قبل اختفائه، إلى حلقات عديدة لها أثر مهم على السياسات الخارجية الأميركية، فقد يكون الرجل فيما عرض من تصورات ومواقف قد قدم قراءات تشوّش على التي كان يقدّمها ولي العهد الشاب. وعلى الرغم من هذه الخطوات المحتشمة، فإنه يُخشى في المملكة أن تصبح تيارا واسعا لا يمكن التحكم فيه لاحقا، خصوصا في سياقات الثورات العربية التي تعاطف معها الرجل، ما جعل هذه التصفية تبدو كأنها ضربة استباقية ضرورية مهما كان الثمن. أما الفرضية الثانية، فإن خاشقجي، من خلال تجاربه السابقة والمقرّبة من بعض ضحايا العهد الجديد من أمراء وسفراء ورجال أعمال، يحمل في صدره بحرا من الأسرار والمفاتيح التي على خصومه أن يتخلصوا منها، ولو كانت ثمن ذلك تلك الأخطاء الشنيعة التي تهون أمام إسكاته إلى الأبد.

لقد ارتُكبت تلك الحماقات، وتمت تصفية جمال خاشقجي، والحال أن المملكة تقدم نفسها للعالم حارسة للإسلام المعتدل والمتسامح، وأنها تخوض حربا شرسة ضد “داعش”، باعتبار هذا التنظيم الإرهابي صورة مشوهة عن الإسلام. يبدو أن الصورة نفسها تترسّخ من خلال مئات صور الكاريكاتير التي انتشرت في الصحافة الغربية التي عزّزت ذلك الخلط بين الإسلام وهذه الممارسات المروّعة. لا فرق بين صور “داعش” وصور القتلة، حتى ولو اعتبرهم محللون غربيون مارقين، فكيف يمكن للضمير الغربي الذي تربّى، منذ أكثر من قرن، على ميلاد ثقافة حقوق الإنسان وقداسة حرية التعبير والرأي، أن يجيز قتل فرد من أجل أفكاره أو آرائه. أوقدت الجريمة مجدّدا حمى الإسلاموفوبيا، فدوائر عديدة مناهضة للمسلمين ترى أن قتل خاشقجي بتلك الطريقة يؤكّد بشاعة المسلمين، وربما الإسلام ذاته. قد يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه.

وأنا حائر في معرفة دواعي هذه الجريمة الغبية، ذكّرني صديقٌ مخرج سينمائي مولع بعيون الأدب العربي المعاصر برائعة عبد الرحمن منيف “الأشجار واغتيال مرزوق”. سنحتاج هجاء حزينا لا يحذقه إلا عبد الرحمن منيف، لمعرفة عبث الاغتيال وفظاعته، وهو الذي عانى من ويلات التشرد والمنفى خارج المملكة.

المهدي مبروك

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: