اهم الاخبارمقالات

نكبة البلد جرّاء محبّة الولد!

وما هو الحكم العضوض؟ إنه «حكم الغاب والمخلب والناب». لا هو بحكم العقل ولا هو بحكم الشريعة: إنه حكم الطبيعة. وأول علامات لاعقلانيته ولاشرعيته أنه حكم سلاليّ يقصي إمكانية اختيار الأكفأ والأفضل من أفراد الصفوة، ناهيك عن الشعب، ويلقي بمصير الحكم في مهب المصادفات لأنه يحصره في عائلة لا ضمان لصلاح أمرها جيلا تلو جيل. ولعل من أسمج تجليات الملك العضوض هو ما يسميه القدامى «حب الولد». ليس لمجرد أن الأب يؤمن بالبداهة أن ابنه أحق الناس بالملك، بل ولأن عمرا واحدا في الحكم، مهما طال، لا يكفي لإشباع شهوة السلطان. ولهذا فكأن الأب إذا ضمن استمرار الحكم في عقبه فإنما يضمن خلوده الشخصي في الحكم من وراء اللحد.
وهل من تفسير لما يحدث اليوم في أرض نجد والحجاز سوى حب الولد؟ هذا ملك جازف بنقض أعراف توارث الحكم في النظام الذي أسسه والده. ملك له أبناء كثر، ولكن بدل أن يتخيّر منهم أعقلهم، اصطفى أقلهم كفاءة وأشدهم تهورا، فإذا ببلاده تضيع في متاهة من المغامرات والمقامرات والجرائم. لماذا؟ لأن الملك يحب ابنه الأرعن حبا جما. حب بين أب عادي وابن أقل من عادي يجر كل هذه المحن والكوارث. ومن الحب ما هلك الأوطان واستعدى الجيران. ومن الحب، في أحد أغنى البلدان، ما أدى إلى شن الحروب المجانية وتجويع ملايين الأطفال في أفقر البلدان!

ولكن حب الولد ليس من اختصاص الأنظمة الملكية، أو «الجملكية» (مثلما وقع في سوريا، ومثلما كان مخططا له في مصر وليبيا واليمن)، بل إنه مستفحل حتى في الأنظمة غير الوراثية. ولهذا فقد كان الصديق العزيز المفكر يوسف صدّيق محقّا عندما قال قبل أيام إن من واجب الرئيس التونسي إبعاد ابنه لأنه ليس أهلا للاضطلاع بأي دور سياسي. واستشهد «سي يوسف» بقول ابن خلدون: «إن هلاك العمران هو في أن يفضّل المفضّل (المحظيّ) على الأفضل (الأكفأ)». وإذا كان سي يوسف قد مضى إلى حد القول بأنه لو كان محلّ الرئيس لحبس ابنه العديم الخصال هذا في السجن، فذلك لأن الحرقة بلغت مداها. فقد قاسى التونسيون ما قاسوه من عائلة «السيدة حرمه» التي كان جشعها واستيلاؤها على معظم مقدّرات البلاد وأجهزة الدولة من أهم أسباب الثورة.
لا تزال التجربة المريرة ماثلة والجراح مفتوحة. ومع ذلك يبدو الرئيس غير مدرك لخطورة المعضلة وغير واع بعظم مسؤوليته السياسية والأخلاقية فيها، هذا رغم أنه عارف بمدى حرص الزعيم بورقيبة (أستاذه في السياسة) على إبعاد ابنه الوحيد عن لعبة الحكم (ولو أن هذا لم يكن مما يخطر ببال الابن على أية حال)، بل وقسوته عليه مقابل حنوّه على «أبناء سياسيين» خلّص من أمثال محمد الصياح. أما التجربة المريرة الأخرى في التاريخ الحديث، فهي أن تونس عانت حربا أهلية دامت اثنتي عشرة سنة، من 1728 إلى 1740. إذ لم يكن لمؤسس الدولة، الحسين بن علي، أول الأمر عقب من الذكور، فجعل ولاية العهد لابن أخيه علي باشا. ولكن ما أن أخذت زوجته الجديدة، الإيطالية، تنجب له الأولاد حتى نادى بابنه محمد وليا للعهد. وهكذا انقسمت البلاد بين الحسينية والباشية وعم الفتك والنهب والخراب، وقتل مؤسس الدولة بيد حفيد أخيه يونس بن علي. وليس هذا الخراب الناجم عن محبة الولد سوى مثال واحد من أمثلة لا تحصى كان أولها قرار معاوية أخذ البيعة لابنه يزيد بحد السيف، وتحويل الحكم الإسلامي، الذي هو في المبدأ حكم جمهوري، ملكا وراثيا اعتباطيا تأصّلت مفاسده فينا حتى صارت بمثابة الطبع الذي لا يتغير.

 مالك التريكي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: