أخبار وطنية

تونس: المجتمع المدني يتحرّك ضد مشروع الحكومة لقانون الانتخابات

مع اقتراب موعد الاستحقاقين، الرئاسي والتشريعي، المزمع إجراؤهما العام المقبل في تونس، تحاول التيارات السياسية المعارضة، والمجتمع المدني، تجميع قواها بهدف حجز مكان في مشاريع تعديل النظام الانتخابي المعمول به منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011، في مواجهة مشروع الحكومة القاضي برفع العتبة الانتخابية إلى 5 في المائة، ما من شأنه حرمان عدد كبير من الأحزاب الصغيرة من الدخول إلى البرلمان. ويطالب المجتمع المدني بدوره بتنقيح نظام الاقتراع ومضاعفة الدورات الانتخابية، حتى تتخلّص الساحة السياسية من مشهد الشتات وتنجلي عن البرلمان صورته “الفسيفسائية الكارثية”، على حدّ توصيف ائتلاف المجتمع المدني “صمود”، خلال ندوة صحافية عقدها حول “مخاطر القانون الانتخابي والبدائل المطروحة”، يوم الاثنين الماضي، في العاصمة التونسية.

وترغب معظم أطراف المجتمع المدني بالمحافظة على النظام الانتخابي القائم حالياً وتأجيل تغييره إلى استحقاق العام 2024. أمّا سياسياً، فباستثناء الحزبين الحاكمين فعلياً، “نداء تونس” و”النهضة”، تسود معارضة شرسة لمشروع القانون المحال من الحكومة إلى البرلمان، والقاضي برفع عتبة الفوز بمقعد في البرلمان من ثلاثة في المائة إلى خمسة في المائة من جملة الأصوات في دائرة انتخابية. وإذ تبرّر أحزاب الغالبية البرلمانية، وتلك التي تدور في فلكها، هذا المشروع بأنّه سيكون ضامناً للاستقرار الحكومي، وبأنّ البرلمان الحالي لا قوة غالبة فيه قادرة على تمرير مشاريع القوانين من دون الحاجة لتوافق أو تنازلات، نظراً لكثرة ممثلي الأحزاب الصغيرة في البرلمان، يعتبر طيف واسع من المعارضة في المقابل، أنّ رفع العتبة الانتخابية هو “انقلاب على الديمقراطية” وتأسيس لمشهد برلماني وسياسي يتحكم فيه حزبان فقط، لتندثر بذلك أحزاب اجتماعية ويسارية عريقة وذات تاريخ نضالي، تفتقر للمال السياسي والهياكل الانتخابية والقوة الإعلامية.

ويقف المجتمع المدني بدوره ضدّ هذا التعديل، إذ يعتبره مستعجلاً وجاء قبيل سنة من الانتخابات لتغيير قواعد اللعبة في الدقائق الأخيرة. وفي هذا الإطار، يعتبر عضو ائتلاف “صمود” المساهم في اقتراح تعديل جديد لقانون الانتخابات، أمين محفوظ، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن ترفيع العتبة الانتخابية “هدفه الحصول على المركز الأول فقط”، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنّ التونسيين “جربوا التمثيل النسبي ليفضي إلى مجلس نيابي فسيفسائي غير قادر على أداء دوره الرقابي ولا التشريعي ولم يضمن الاستقرار الحكومي، ما أدّى إلى مشهد سياسي مقرف وسياحة حزبية وغياب للبرامج”، على حد وصفه.

ويقترح الائتلاف، من خلال مقترح قانون أعدّه العميد السابق لكلية الحقوق في تونس الصادق بلعيد، والوزير السابق والخبير الاقتصادي حسين الديماسي، وأستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ، أن يُحفظ حقّ المستقلين والأحزاب والائتلافات في الترشّح للانتخابات التشريعية، على أن تُقدّم قائمة باسمين فقط بالتناصف (رجل وامرأة) وتسقط القائمة إذا ما انسحب أحد المرشحين. ويضيف المقترح أن يكون الانتخاب بالأغلبية على دورتين انتخابيتين، فتفوز القائمة ذات أغلبية الأصوات في الدائرة الانتخابية بالمقعدين، وفي حال عدم حصول أي قائمة على الأغلبية، تجري الإعادة في دورة ثانية.

ويقتضي المقترح أيضاً بتخفيض عدد النواب، عبر إسناد مقعدين لكل دائرة انتخابية (33 دائرة)، وبذلك ينخفض عددهم إلى ستة وستين نائباً فقط. وفي السياق، يكشف حسام الحامي، منسق ائتلاف “صمود”، لـ”العربي الجديد”، أنّ “العمل على تعديل القانون الانتخابي لم ينطلق في الآونة الأخيرة، إنما يعود إلى سنة 2013، وكان الائتلاف آنذاك قد رفض نسخة الدستور المصادق عليها وطلب تغيير النظام الانتخابي، لكنه لم يلق آذاناً صاغية”. وأكّد الحامي أيضاً خلال الندوة الوطنية التي سبقت الانتخابات البلدية، على “ضرورة تبني نظام اقتراع يضمن الوضوح في المشهد السياسي، ويسمح لحزب أو ائتلاف بالحكم، وبمعارضة قوية في المقابل، بدل ما تشهده الساحة الآن من تموقع فوضوي لأغلب الأحزاب التي تضع ساقاً في الحكم وأخرى في المعارضة”. ويعتزم الائتلاف التوجّه لعموم المواطنين عبر عريضة للتوقيع عليها، تعبيراً عن رفض مقترح ترفيع العتبة الانتخابية.

وتبدو مبادرة “صمود” للبعض ضبابية غير واضحة المآلات. وفي هذا الإطار، يقول منسّق “حزب المسار الاجتماعي الديمقراطي”، الجنيدي عبد الجواد، لـ”العربي الجديد”، إنّ “الائتلاف شرح بوضوح عيوب النظام الحالي، أمّا النظام الذي يقترحه، فهو يسهّل للأحزاب الحصول على مقاعد في البرلمان إذا ما كان البرنامج مقنعاً”، مضيفاً “إلا أنّ نتائجه وانعكاساته على الساحة بدت ضبابية، لذلك سيعقد المسار قريباً ندوة حول هذا المقترح لتدارس هذا الجانب منه”. وبغض النظر عن مدى نجاعة المقترح المقدّم، فإنّه لا يمكن التنبؤ بمستقبله الآن غير بقائه حجة تاريخية ودلالة على دور المجتمع المدني في الضغط والاقتراح. فمن غير المنطقي أن يقبل طرفا الحكم حالياً بتبني مشروع يخالف مصلحتهما ويهدم تصورهما لمشهد برلماني بأقلّ ما أمكن من ألوان سياسية وعائلات فكرية. ولذلك عوّل العميد الصادق بلعيد في مداخلته خلال الندوة، على الوعي المواطني واليقظة المجتمعية من أجل أن يسقط المقترح الحكومي في ترفيع العتبة ومساندة مقترح الائتلاف.

أمينة الزياني ( العربي الجديد)

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: