مقالات

العرب والدين والسياسة

يتحدث العرب في السياسة والدين كثيراً، لكنّهم على هذه الكثرة الكثيرة من الحديث، لم يحسنوا، لا في السياسة، ولا في الدين.

أنهم لم يحسنوا في السياسة أمر لا يحتاج إلى شرح طويل؛ فنظرة في أحوالنا الحياتية المعاصرة تأتِيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوّد.

أما الدين، فإن حديث العرب عنه عجبٌ عجاب؛ فقد حولوه من “جامع” لهم إلى مفرّق ومشتت، وما جاءت الأديان لذلك، لكنها أهواء الناس هي التي فعلت ذلك، حتى أصبحوا طوائف ومذاهبَ تتقاتل باسم الدين، وكلٌ يرى نفسه على حق والآخرين على خطأ.

وصار الدين، للأسف، هو البارود الذي تُشحن به مدافع ونفوس كل فريق ضد الآخر؛ فالكلّ متدرِّع ومتزنّر بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة يتلوها ويلوي أعناقها على هواه، ووفق مصلحته وانتصارا لطائفته وجماعته.

لذا اجتاحت “الحروب المقدسة” كل أرجاء الوطن العربي الكسير، إنه حلف السياسة والدين الذي رفع رايته، كأنه قراصنة العصور الوسطى الذين اجتاحوا بحار الحياة العربية المعاصرة، فارتدت الشعوب تقاتل تحت مسميّاتٍ تم إحياؤها من الرميم، فصارت تلك الشعوب “زومبي” عائدا من غياهب الموت تقاتل من أجل ماذا؟ الواقع أنها لا تدري ولا تعرف. والمهم أن تقاتل تحت أيّ مسمّى تقتنع به، والسلام مسميّات تمّ تغليفها باسم الدين، لتلوّح هالتها الدينية برّاقة تغري بالتضحية من أجلها.

وها هي الخريطة العربية مشتعلة من أقصى المشرق حتى أقاصي المغرب، اشتعالا مُفتتًا للجغرافيا، مُستحضرًا كلّ خلافات التاريخ القديم والوسيط والحديث، ليسخرها في خدمة معاركه الوهمية.

كنت أقرأ عن هذا الخراب في كتابات مصطفى محمود، وقد وجدت أنّها تتحقّق عياناً اليوم، كتيبات “الغد المشتعِل” و”الطريق إلى جهنم” و”على حافة الزلزال” و”الإسلام في خندق” و”على خط النار” وغيرها.. كلّها كانت تتنبّأ بهذا الأتون الذي نعيشه في هذه السنوات العجاف.

هذا هو الحديث الكثير في السياسة أو الدين الذي لا يخلو منه أي مجلس عربي حديث خطير، لأنّه ليس مجرّد حديث لأجل اللهو أو اللغو، بل تعبئة وحشد نحو المحرقة للجميع.

ومن عجائب الأمور أنه لو تحدث أحدهم في أمور دينية، لردّ عليه أكثر من واحد، وسفّه كلامه أكثر من واحد، ووافقه أيضا أكثر من واحد، لكن لو تحدث أحدهم في الفيزياء، مثلا، لصمت الكل أو تحدّث المختص في الفيزياء، وحين تسألهم لماذا لا تتداخلوا مع المتحدث؟ سيقولون: لا… هذا تخصّص، يحتاج فيزيائيا. أها.. الفيزياء تريد متحدثا متخصّصا، والدين لكل منْ هب ودب يخوض فيه؟ ومثله السياسة.

لا غرابة من هذا كله؛ فالوطن العربي الكسير هو أرض اللغو والترهات التي تجتاحنا منذ زمن طويل، بحيث لو تساءلنا: ماذا يعني العيش في العالم العربي الكسير؟

أتخيل الإجابات على النحو التالي: يعني العيش على أرض الزلازل والمتغيرات المفاجئة بلا ضابط ولا قانون، يعني العيش في جو الثقافات التي تعترف بكل صاحب قوة، أيًا كان مصدرها. يعني العيش في جو “المقدسات” المزيفة والمصنوعة والمهندسة بحسب أهواء السياسة منذ زمن الانقلاب الأموي الباكر، ويعني أيضاً، أن تعيش وأنت لا تعيش عيشة حقيقية مثل باقي عباد الله. وحتى المسميّات التي تطرق سمعك وذهنك منذ وعيك بهذه الدنيا، ستجد مع مرور الوقت أنها مسميّات لا وجود لها إلا على الورق وضمن التلّقي، من أمثال: الوطنية والمواطنة المتساوية والتسامح والتعايش.. إلى آخر ما كانوا يحشوننا به في مادة التربية الوطنية، وغيرها أيضا، حيث التعليم كله مسيّر أساسا لخدمة الأهداف نفسها.

هذه الظلال من المفاهيم لا وجود لها في واقع الحال، حتى مسمّى “عالَم”، مجرّد إطار لكانتونات جغرافية متناثرة على الخريطة، كل واحدة تحذر الأخرى وتكيد لها؛ فلا تغرّك القبلات الدبلوماسية التي نراها أثناء القمم العربية التي هي الأخرى (القمم) مجرّد ثقوب سوداء تبلع كل تحرّك حقيقي في الشارع العربي.

أرض الموات هذه تاهت خطوط الطول والعرض في تحديدها، كما تاه تاريخها المليء بالخزعبلات والخرافات والأساطير، لذا أنصحك إذا مررت بجوار تلك الأرض، فقل: سلامٌ عليكِ ديار قومٍ تائهين، ولا عزاء للأغبياء.

وأخيرا، يقول الشاعر أحمد مطر:

يا أرضنا يا مهبط الأنبياء

قد كان يكفي واحدٌ

لو لم نكن أغبياء.

عبدالحفيظ العمري

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: