مقالات

ألف سبب لثورة عربية متجددة على الطغيان…

في جاهليتي؛ الخاصة جدا، أرادوا أن يُخيطوا فمي. في ثانوية اليرموك هرب الجمع من حولي حين قلت رأيا بـ”القائد الخالد” وبعثه…  بقيت قبضات مسدسات “الرفاق” مكاروف تدمي رأسي. يومها أخذت قراري: بيني وبين القهر والظلمات ما بين سكتي القطار. بوح، هي فضائي، وفضفضة سنوات الارتحال.. ذاكرة وحاضرا.

يفتح سؤال “أين العرب من اغتيال جمال خاشقجي؟” الأفق على حوار جاد عن واقع عربي مريض منذ عقود، وخصوصاً في تحكم نخب وطبقة تجترُّ رواية الحاكم مع المواطنين، وعنهم..

فمنذ خرج الشارع العربي، من تونس بداية، يطلب حريته وكرامته وقيمته، المهدورة على مدى أجيال، أصر زبانية الأنظمة على تضليل وحرف الأنظار عن تحكم وممارسات أجهزتها الساخرة من الحرية وقيمتها الإنسانية، واعتبار كل ما جرى ليس سوى “خريف عربي”، مع كثير من سيناريوهات مريضة بنظرية المؤامرة.

خلال أقل من أسبوعين، من اختفاء خاشقجي، تعرت صورة الحاكم العربي مجدداً، وهي فرصة كبيرة للقوى الثائرة والحرة للكشف مجدداً عن علاقات المصالح الغربية، والتغطية على جرائم هذه الأنظمة، وتلك ظلت كارثة في اعتبارها أعلى قيمة من المبادئ والأخلاق، وثمنها أيضاً كبير مستقبلاً، في استمرارها على طريقة ترامب الفجة عن “المليارات”.. ففي الغرب أيضاً نمت حالة بعد الربيع العربي أكثر اهتماماً بما يجري في مجتمعات القهر والديكتاتورية، على الأقل في صحافته وبين نخبه.

ومن بين أهم ما استعيد اكتشافه في الشارع العربي، وعلى الأقل فيما يغلي تحت سطح ردة فعله على فيلم الرعب في القنصلية. فمهما تكن النتيجة، فإن خاشقجي بالنسبة لهؤلاء هو استعادة لشريط متشابه، ظهر هذه المرة أكثر دقة بتطور وسائل التواصل وتحول العالم إلى قرية صغيرة يُهتَمُّ فيها لشؤون ومستوى جرائم رسمية ترتكب هنا وهناك. ولم يعد يكفي حالة الإنكار، ولا مليارات تلميع الصورة أو استعراض الدور تسابقاً عمن يخدم مصالح الغرب أكثر.

الجريمة تعيد فتح ملفات كثيرة، وهي تتشابه مع الجرائم الجماعية الأخرى، كالموت بـ”السكتة القلبية” في سجون بشار، واختفاء عبد العزيز الخير ورفاقه حتى اللحظة، مع مئات آلاف آخرين.

وهي أيضاً تعيد تذكير الشارع العربي أن لا فرق بين اختفاء سائق توكتوك وسياسي وصحافي وأستاذ قانون.. بل لا فروق كبيرة في انتهاج “النخبة” الأدوات الجاهزة لتسويق “طهرانية الحاكم”، كلما حامت حوله الشبهات، لإخراس المواطن بذريعة مواجهة “المؤامرة” و”عدم السماح بسقوط الدولة”، فقد اكتشف المواطن أن مفهوم الدولة لدى مؤلهي الحاكم، مرتبط بحالة توريث الاستبداد بكل أدواته. ويعيدنا صمت الرسميين العرب ومؤسساتهم، بتناقضاتها، على الجريمة، إلى التفكير المتطابق عن القيمة الصفرية لمكانة الإنسان العربي، كما في إمعان “نخب الأنظمة” على مزيد من احتقار العقل.

بوضوح وبلا تردد أعادت نخب الأنظمة على مسامعنا سردية الاستخفاف بالعقول رواية أن ما جرى ليس سوى مؤامرة. وفي السياق فإن المنفصمين، وللأسف بعضهم يحمل صفات “صحافي.. إعلامي.. كاتب”، وبدال منتفخة، يوغلون في كارثة تطويع العقل العربي؛ باعتبار وجود المواطن كله منحة آلهة دنيويين.. فالهواء والشارع والمدرسة والمشفى إلخ ليست سوى “عطاءات ولي الأمر”، كما السجون وترسيخ الأمية، بأشكالها المختلفة.

بل هؤلاء بات يسوقون الجهل والشعبوية باعتبارهما “قمة الوطنية”، في مجتمعات الوشاية والتلصص حماية لـ”الشرف الوطني”، المنتهك صباحاً مساءً من مانحي “الشرعية” لهم في الغرب.

على سبيل المثال في بلد كمصر، على مدى 5 سنوات، تُسوَّق فضائل الانقلاب ونتائجه، بنهب جيوب البسطاء وتجويعاً للحرية واللقمة تحت شعار النخبة إياها، المترفة والمتنمرة والفوقية على المواطنين المسحوقين بمقولة “فمقارنة بسوريا وليبيا نحن بألف خير.. وإلا كنت تسرى زوجتك وأهل بيتك يغتصبون..”.. ليخرج علينا هؤلاء، مثل الاستشراقيين السطحيين، بنتيجة ان “الشعب العربي لا يستحق سوى فرعون.. لا ديمقراطية وحرية”.

في جناحهم الشامي كأنها الرواية نفسها، على قنوات حاكم دمشق وتوابعه في بيروت وبقية مروجي الاستعباد في منطقتنا منذ البداية..

إنها المؤامرة.. لتختزل مرة جديدة احتقار واستحمار الإنسان العربي ووضعه في قالب نمطي هوليوودي موغل في جهالته. فثمن التآمر تجاوز بوضاعته وضاعة مروجيه منذ 2011 عن المندسين وحبوب الهلوسة وسندويشة فلافل و500 ليرة، لقاء تلقي طلقة قناصي عائلة مافيا حاكمة بحجة “الدفاع عن الدولة وعدم سقوطها”.

إلى حد بعيد لم تختلف رواية الموغلين في استحقار قيمة الإنسان العربي، المسحوق من المهد إلى اللحد. فهو إما يكون خانعاً ومتخلفاً، ويمشي الحيط الحيط، ويقبل اليد التي تمنحه “نعمة” العودة سالماً إلى أسرته، بعد أن يمضي نهاره وليله باحثاً عن لقمة لأطفاله.. أو فليركب قوارب الموت مهاجراً، أو لينتهي حيث انتهى غياث مطر السوري الحالم وغيره.

وبين هذا وذاك يخرج علينا كاتبٌ، يحمل مشرطاً يقطر دماً بعد غرسه في أجساد الشباب العربي، من طرابلس إلى القاهرة ودمشق والموصل وبغداد والبصرة وصنعاء والرياض والمنامة وأبوظبي، وبقية مدن الاستعباد العربية، وحتى حيث ينعم لاجئاً ومهاجراً في ظلال حريات وديمقراطية الغرب، ليعيد سرد الاسترخاص وطهرانية الحاكم ووداعته.. محذراً حتى من حرية الإنسان العربي على مصالحه.

إنها ذات الوجوه التي اخترعت تسمية “الخريف العربي والمؤامرة”. ألم يقل هؤلاء أنها كذلك، حتى في انتحار محمد البوعزيزي؟.. وذهبت أمراضهم لبقية الرواية عن “التدريب في صربيا”، ومشاهداتهم في ميدان التحرير لـ”حقائب الدولارات”.

ما يختمر تحت قشور أُمنية خلود الاستبداد والطغيان لن يكون بنتيجته هذه المرة كسابقاته. لقد فرغت جعبة نخب معسكر الثورات المضادة، إلا من جبن تأييد القتل والإعدام.. واسترخاص العقل، في زمن غير ذلك الزمن الذي تسيدوه.. فالويل من انفجار قادم لن يستثني مستبداً.

ناصر السهلي

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: