مقالات

اغتيال خاشقجي: الإشارات والتنبيهات

 

لم يرق لقريش هجرة سعد بن عبادة، زعيم الخزرج، العام 628 إلى الشام. هو كان قد اختار الهجرة والعزلة عن عموم المشهد السياسي. بعيد بضعة سنوات قُتل زعيم الخزرج لرفضه البيعة لقريش. سُجّلت القضية ضد مجهول، وقيل إنه قد قتله الجن. لم تكن حادثة قتل سعد الشاهد الوحيد في تاريخ الاغتيال السياسي في العالم العربي. فجِنُّ السلطة لم يهدأ له جفن منذ ما زيد على العشرة قرون. بن عبادة لم يكن الأنموذج الأوحد، لكنه كان من بين أكثر النماذج فرادة في إيضاح قلق السلطة وقواها المنتِجة بشكل عام حينئذ. تاريخياً، اقترن الاغتيال السياسي بحالات تفسّخ البنى المنتِجة للنظام. وما بعد الاغتيال ليس كما قبله. في التاريخ العربي كان ظهور الإسماعيلية النزارية كفرقة إسلامية تنظّر للاغتيال السياسي، مؤشراً على الانقسام الحاد في البنية المنتجة للسلطة أواخر القرن الرابع الهجري. ما بعد اعتماد سياسة الاغتيال، لم تعد الإسماعيلية جماعة روحية كما تخيّلها المؤسسون. في الآن عينه لم تعد المدارس النظامية – التي أسسها الوزير نظام الملك السلجوقي- أو مدرسة المستنصرية الفضاء الأوحد لإنتاج فقه السلطة السياسي. لقد أحدث الاغتيال انزياحاً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً داخل بنية الخلافة العباسية. ما بعد اعتماد الإسماعيليين سياسة الاغتيال، وتصفية الوزير «نظام الملك»، نحت المدارس الفقهية صوب الفقه الحنبلي الظاهراتي، ومنطق الفقه السلطاني في السياسة، بعيداً عما عرفته مدارس بغداد من فقه المالكية المتسامح.

في التاريخ المعاصر لعب الاغتيال دوره كمؤشر على عميق أزمات الأنظمة في عالمنا العربي، وإن لعبت الساحة المصرية دور المسرح الأبرز. فبُعيد كل اغتيال في القاهرة كان ثمة تحوّل في علاقات المجتمع والسلطة، كما وفي علاقة الجماعة الحاكمة بالساحة الدولية. اغتيال نقراشي باشا (1948) كان مؤشراً لانهيار نظام الملك فاروق، اغتيال حسن البنا (1949) كان مؤشراً إلى انفساخ عقد القوى الثورية التي ثارت ضد الملكية نفسها. اغتيال الشيخ الذهبي (1977) كان مؤشراً لهشاشة العلاقة بين السلطة والإسلاميين. اغتيال السادات كان مؤشراً إلى وصول الشرخ لداخل مؤسسة النظام نفسه (القتلة كانوا من الجيش). بالنظر للساحة الدولية مثّل الاغتيال الأول مؤشراً لنهاية الرعاية البريطانية لمصر. أما اغتيال البنا فقد شكّل لحظة هي الأخطر في تأكيد دور المؤسسة العسكرية الحاسم في ترسيم معالم الحكم. اغتيال الشيخ الذهبي لم يبتعد عن ارتدادات إخراج الخبراء السوفيات من مصر، والانعطافة التي أحدثها السادات في توجهات مصر الكبرى. أما نهاية السادات على يد الإسلامبولي فكانت مرتبطة ولو بشكل غير مباشر بتسيّد الولايات المتحدة وجماعاتها على كل مقدرات السلطة في القاهرة.

اغتيال خاشقجي: نهاية حقبة فهد!

كثيرة هي الإشارات والتنبيهات في حياة خاشقجي. كذلك كثيرة هي الإشارات في اغتياله. مثّل الرجل، منذ ابتداء عمله الصحافي، شريحة واسعة من تيار مثقفي «الهوية السعودية» التي عرفت حضورها وتعمقت منذ أوائل الثمانينيات (حقبة الملك فهد). للرجل ارتباطات واسعة بنخبة الحرس الوطني السعودي سياسياً وأرباب الدولة العميقة في المملكة. على المستوى الثقافي يقف خاشقجي يمين التيار الإصلاحي الإسلامي الذي عرفته السعودية في الثمانينيات -كان سفر الحوالي وسلمان العودة من أبرز وجوهه. تأثر خاشقجي فترة الثمانينيات بالجهاد الأفغاني. هو قبل ذلك كان مقرباً من التيار التجديدي في الحركة السلفية، ذي الصبغة الليبيرالية والمتأثر بدوره بمهاجري الإخوان المسلمين المصريين في السعودية. للرجل تصورات تاريخية عن السياسة في التاريخ الإسلامي هي أقرب لمنطق رضوان السيد في تخوفه من خطر الإسلام المشرقي – الإيراني-. آمن الرجل بديموقراطية أهل الحل والعقد وبنزعة الإسلام الليبيرالية، شأن داوود الشريان، وظل حتى أواخر ساعات حياته مراهناً على تحالف سعودي تركي ضد إيران «الفارسية» في سوريا بحسب منطقه. بقتله أزاح محمد بن سلمان آخر رموز التيار الليبرالي الإسلامي من الساحة الإعلامية، وأحد أعتى أقلام الدولة العميقة في مملكته. المفارقة أن دم خاشقجي سال على يد من راهن عليهم لسنين طوال.

تركيا – السعودية: حوار بلون الدم!

بالقدر الذي كشف أسلوب اغتيال خاشقجي عزم ابن سلمان التخلص من رموز الدولة العميقة، بقدر ما فتح هذا الاغتيال لتركيا إمكانات لملمة ذيول ما بعد ليلة انقلاب 15 تموز 2016. بالنسبة لأردوغان ودولته العميقة. واحدة بواحدة، يعي أردوغان عميق الدور السعودي – الإماراتي في زعزعة نظام حكمه. رسائل السفير الإماراتي في الولايات المتحدة يوسف العتيبة كانت كفيلة بإيضاح الدور الخليجي المريب ليلة المنتصف من تموز 2016. وبالمثل يعي أردوغان حجم قدرته الكبير في استنزاف السعودية في قضية من مثل قضية مقتل خاشقجي. ولأن أردوغان، كما ابن سلمان، يعرف حجم التأثير الأميركي الداخلي والخارجي في نظامه، يتطلع الرجل للخروج من هذه الأزمة بمعادلة رابح – رابح بالنسبة لجميع الأطراف.

لوهلة يبدو ابن سلمان وأردوغان كسَجيني شيلينغ في نظريته حول أسس التفاوض والمساومة. كان توماس شيلينغ أواسط القرن الماضي قد قدم إسهاماً رياضياً في محاولة فهم سلوك سجينين منعزلين أمام الشرطة. سيحاول السجينان تقدير الحد الأكبر من التنازل الذي يضمن لكلا الطرفين الخروج بأقل قدر من الإدانة. تلعب الولايات المتحدة في هذا المثال دور الشرطي/ السلطة، فيما تلعب كل من تركيا والسعودية دورا السجينين اللذين يريدان الوصول لتسوية تحفظ خسائرهما بحدودها الدنيا. سيكون على أردوغان كما ابن سلمان إعادة ترتيب أولوياتهما، وتقدير حجم التنازل الذي يمكن لكل منهما تقديمه للولايات المتحدة.

بالنسبة لأردوغان يبدو أن ثمة ملفات ملحة في تسويته الداخلية والخارجية. هو بالتأكيد لن يكون في وارد الإصرار من جديد على استعادة غولن كما في احتجاز القس الأميركي أندرو برونسون. في الآن عينه ثمة ملفات ثلاثة لا بد من رسم خريطة طريق سعودية – تركية بخصوصها إذا ما أراد الطرفان الخروج من ظل العلاقة المتوترة مع أجنحة الدولة العميقة. بالنسبة لتركيا، تشكّل المسألة الكردية أولى هذه الملفات. على أردوغان أخذ العهد من السعودية بالابتعاد عن الورقة الكردية وضمان عدم تحريكها على حدوده. ثانياً، يتطلع أردوغان للعراق باعتباره مصدر تهديد إيراني وساحة خلفية تحكم الطوق عليه، وهو مقرّ بعجزه عن مواجهة النفوذ الإيراني في العراق منفرداً. أما الساحة السورية، فيمكن للتنسيق السعودي – التركي فيها، أن يحفظ لتركيا ريعية الوضعية التي تحفظ له ورقة المعارضة وتحسن من شروط أنقرة في التفاوض مع إيران وروسيا.

في المقابل، فإن لابن سلمان هواجس ثلاثة، أولها في الشرعية الإسلامية التي تحاول السعودية المحافظة عليها في حربها الجهنمية على اليمن. لتركيا دور مؤثر في إصلاح صورة «التحالف الإسلامي» المهترئ هناك. أما العراق، فتبدو السعودية مهجوسة بتضعضع دفاعاتها فيه. يمكن للتعاون التركي – السعودي أن يعيد ريعية الوضع للسعودية في الساحة السنية العراقية أقلها. ثالث النقاط بالنسبة للسعودية ستكون في إعادة تحسين صورتها التمثيلية أمام الولايات المتحدة الأميركية، كمرجعية دينية إسلامية تحوز إجماع الثقل الأكبر من المسلمين السنة.

واحدة بواحدة، هو مسار يشير إليه التعاطي التركي مع قضية خاشقجي القابلة لأن تستحيل كرة ثلج تطفئ جذوة عهد ابن سلمان قُبيل ولادته. لكن المسار التركي التوفيقي مع السعودية لا تبدو دروبه سالكة كلما اقتربنا من الرياض أو واشنطن. المشكلة في مثل هذه الحوادث يكمن في قابلية استثمارها وانعطافها يمنة ويسرى يوماً بعد آخر. والمشكلة في مثل هذه الحوادث في أنها يمكن أن تُشرع كل احتمالات الجنون. سيحاول أردوغان من خلال اقتراح تشكيل لجنة تحقيق تركية – سعودية مشتركة إعادة عقارب الساعة لما قبل ليلة الانقلاب. لكن الواقع قد لا ينبئ بالبشرى في ظل جنون ترامب، وعناد ابن سلمان.

بشار اللقيس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: