تقارير

موقع فرنسي.. السعودية وعصرنة الاستبداد

تميزت السنتان الأخيرتان في المملكة العربية السعودية بموجة من الاعتقالات وانقلابات القصر مع صعود نجم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وترويجه لعصرنة البلاد، والواقع يقول إن الذي عصرنه ما هو إلا الاستبداد.

هذا ما يراه ستيفان لاكروا أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيانس بو، في مقال كان قد كتبه في “أوريان 21” الفرنسي في سبتمبر من العام الماضي، وأعاد الموقع نشره اليوم على صفحته الرئيسية.

الكاتب استطرد في ذكر بعض المحطات الفارقة في مسيرة الأمير السعودي منذ أن أصبح وليا للعهد، وبدأ ذلك بما شهدته المملكة من اعتقالات.

يقول لاكروا إن اعتقال الخصوم ليس في حد ذاته أمرا جديدا بالمملكة، لكن ما يميزه هذه المرة أولا أنه استهدف شخصيات عامة بعضها مؤثر جدا مثل سلمان بن فهد العودة الذي يتابع حسابه في تويتر 14 مليون شخص، كما طال شخصيات من أطياف مختلفة بل متعارضة أحيانا.

ويضيف: لئن كانت الاعتقالات ركزت على الإسلاميين فإنها شملت بعض أكثرهم محافظة مثل “السروري” محمد الهبدان، وبعض أكثرهم انفتاحا مثل الداعية “العودة”.

ولم تقتصر هذه الحملة على الإسلاميين -كما يقول الكاتب-بل ضمت اللائحة العديد من الشباب دعاة الإصلاح ممن لهم دور نشط بالاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية التي اجتاحت العالم العربي عام 2011، ومنهم المقاول عصام الزامل الذي يبلغ عدد متابعيه بتويتر المليون، ومصطفى الحسان وحسان المالكي…إلخ.

ولفت الكاتب إلى أنه بغض النظر عن نوعية تلك الشخصيات، فإن طريقة الاعتقال نفسها غدت مختلفة كليا عما كان عليه الأمر سابقا حين دأبت السعودية على استدعاء من تهمّ باعتقالهم إلى مخفر الشرطة، أما هذه المرة فمعظم الذين اعتقلوا كانوا بمنازلهم وبين ذويهم واعتقلوا “كما لو كانوا إرهابيين” حسب وصف قريب لأحد المعتقلين.

وقال لاكروا بمقاله إن الجهاز الذي يتولى هذه الاعتقالات هو “رئاسة أمن الدولة” الذي استحدث في يوليو/تموز 2017 ويتبع مباشرة للقصر الملكي “ويعتمد في أساليبه على مستشارين من جهاز أمن الدولة المصري ذي السمعة السيئة”.

شماعة قطر

وإذا كانت السلطات السعودية لم تعلن عن عدد من طالتهم حملة الاعتقالات، فإنها –حسب الكاتب- حددت الاتهام الذي توجهه وذلك في بيان أصدرته يوم 12 سبتمبر 2017 قالت فيه إن الشرطة دشنت عملية تفكيك “خلايا استخباراتية” تعمل لصالح قوة أجنبية.

وأضاف لاكروا أن العارفين بالشؤون الخليجية يدركون جيدا أن المعني بــ”القوة الأجنبية” هو دولة قطر، وأن معظم من طالتهم حملة الاعتقالات كانوا شخصيات التزمت الصمت ولم تتخذ موقفا صريحا لصالح محمد بن سلمان في مواجهته مع الدوحة.

مبررات أخرى

غير أن الكاتب يرى مبررات أخرى لهذه الاعتقالات أولها التحول الجذري لعلاقة السلطات السعودية بما يسمى “الإسلام السياسي”، إذ غدت -بعد أن كانت تحافظ على علاقات متميزة مع الصحوة الإسلامية وأقطابها- ترى في هؤلاء تهديدا مباشرا إلى حد وصف أحد الأمراء لحركة الإخوان المسلمين بأنها “مصدر كل الشرور” بالمملكة.

أما المبرر الآخر فهو بنيوي ويرتبط بالتحول الذي يشهده النظام السعودي نفسه منذ سنتين، فلم يعد الحكم مبنيا على توازنات داخل العائلة المالكة كما كان من قبل، بل إن ولي العهد قلبه رأسا على عقب ووضع في قبضته أهم السلطات، مهمشا ومُقصِيا بذلك كل منافس محتمل له بالعائلة المالكة، الأمر الذي يشبهه البعض بـ “إستراتيجية مواجهة المنافسين” التي اتخذها من قَبل ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد “المثل الأعلى” لمحمد بن سلمان.

بل يذهب البعض -حسب لاكروا- إلى التكهن بأن ما يريده ولي عهد السعودية هو تحويل المملكة إلى دولة شبيهة بما عليه الحال في الإمارات، وهو هدف يرى الكثيرون أنه غير واقعي بالنظر إلى الاختلافات الديموغرافية والأنثروبولوجية بين النموذجين.

ونسب الأكاديمي بالجامعة الفرنسية إلى الإعلامي السعودي المختفي منذ نحو أسبوعين جمال خاشقجي قوله -تعليقا على ما تمر به المملكة حاليا- إنها “لم تصل قط لمستوى القمع الذي وصلته حاليا، ولم يعد الوضع يطاق”.

وختم الكاتب الفرنسي مقاله بإبراز أن محمد بن سلمان لم يجسد بعد -كما يظن البعض- صورة الحاكم “المستبد المطوِّر” إذ لم يتمكن حتى الآن من تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة. وعليه، فإن ما يطوره حتى الآن بالأساس هو الاستبداد “وذلك خبر غير سار”.

الصحافة الفرنسية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: