تقارير

موجة الإلحاد.. من يدق ناقوس الخطر؟

 

بينما تعصف بالشباب العرب أزمات سياسية واقتصادية مستعصية، يتشابك الواقع المتأزم مع أزمة دينية وفكرية متصاعدة في السنوات الأخيرة، لتنتهي بالكثير منهم إلى هوة الإلحاد والعدمية، الأمر الذي لم يحظ بعدُ بنصيبه من الحوار إعلاميا، فضلا عن اهتمام صناع القرار.

وقبل الخوض في أسباب الظاهرة، يجدر بنا استحضار ظاهرة مشابهة شهدها جيل الآباء في ستينيات القرن العشرين، وعاصرها الشيخ السوري مجد مكي أثناء دراسته في حلب، حيث شهدت معظم الدول العربية انتشار الفكر اليساري.

يقول مكي للجزيرة نت إن انتشار موجة التشكيك في الدين اتسعت بعد النكسة عندما خسرت الجيوش العربية الحرب خلال ستة أيام أمام دولة إسرائيل الناشئة في يونيو/حزيران 1967، فبعد انتشاء العرب بوعود النصر التي أطلقها زعماؤهم، أصيبوا بصدمة الهزيمة وانهيار الثقة بالمبادئ الدينية والقومية على السواء.

ويضيف مكي -وهو باحث سابق في جامعة قطر- أن الأفكار العلمانية دُعمت رسميا وإعلاميا قبل ذلك بعقود، وقبل النكسة بأيام نشرت مجلة “جيش الشعب” السورية مقالا يدعو إلى “وضع الإله والأديان والأنبياء في متاحف التاريخ”، مما أثار غضب الإسلاميين وأطلق موجة قمع مضادة من قبل السلطة.

وعندما وقعت النكسة حمّل مفكرون ملحدون الإسلام نفسه المسؤولية، مثل السوري صادق جلال العظم والسعودي عبد الله القصيمي، وأخذ الإلحاد بعدا نضاليا مدّعيا أنه يحمل رسالة الخلاص، مما دفع الإسلاميين للرد، مثل الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ عبد الرحمن حبنكة، لكن السلطات كانت تميل إلى التضييق على الإسلاميين ودعم الطرف الآخر، بحسب الباحث السوري.

ظاهرة متجددة

يرى الشيخ مكي أن ما نشهده اليوم من قمع للثورات والحركات الإسلامية، وموجة الثورات المضادة، يؤدي إلى نفس النتيجة السابقة. ويضيف أن سهولة التعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي لدى جيل اليوم تزيد من فرص تضخيم موجة الإلحاد التي قد تبدأ بتبني “تأويلات منحرفة للشريعة على غرار أطروحات المفكر محمد شحرور مثلا”، وتنتهي باستسهال التمرد على الدين بالجملة.

ولتحليل هذه الظاهرة، يقول الباحث السعودي أحمد السيد إن هناك دائرتين تتقاطعان، وهما قابلية التأثر ووجود المؤثر الخارجي. أما القابلية فهي قديمة وتعود إلى ضعف مستوى الإيمان، وقلة الوعي، والجهل بالعلوم الشرعية التي تنمي ملكة النقد، لكن تزايد قوة المؤثر الخارجي مؤخرا جعل الإلحاد ظاهرة. وبعدما كانت مصادر المعلومات محدودة للغاية، أصبح الشاب المبتدئ منفتحا عبر الإنترنت على كل الأفكار الشاذة، دون أن يكون مستعدا للفهم والنقد.

ويضيف السيد -وهو مدير برنامج صناعة المحاور المخصص لمواجهة الإلحاد- أن تجربته مع الشباب أثبتت صعوبة عودة ضحايا التشكيك إلى اليقين إلا بعد جهد كبير، فالموجة المعاصرة تختلف عن إلحاد الستينيات في أنها تهدم ولا تبني، حيث تجنح إلى التشكيك في المسلّمات وهدم العقيدة والمنظومة الأخلاقية دون بناء منظومة بديلة، وتترك الشاب أسيرا للعدمية المطلقة، بينما كانت الشيوعية في السابق تقدم فكرا بديلا.

ويتابع أنه كان من السهل في الماضي إعادة الملحد إلى الدين بعد نقض الفكر الماركسي، أما الآن فيصعب إقناع الملحد بعدما فقد الثقة في مصادر المعرفة نفسها، وصار متشككا في قدرة العقل على بلوغ اليقين. وهذا لا يعود فقط إلى انتشار الظلم والحروب، بل أيضا إلى شيوع فلسفة “ما بعد الحداثة” التي تنادي بسقوط العقل.

بدوره، يرى الأكاديمي المصري أشرف قطب أن جنوح الشاب إلى الإلحاد يبدأ بصدمة ثقافية تجاه النموذج المادي للحياة، ثم يتطور إلى انحياز للفلسفة العلموية الوضعية، فيعتقد أن العلوم التجريبية هي مصدر الحقيقة الوحيد، مع أن هذه الفكرة تحمل بذور تناقضها لاستحالة إثباتها تجريبيا.

ويضيف أن الأصل هو ألا يصل النقاش العلمي إلى “معادلات صفرية”، لكن الحوارات التي أجراها مع شباب ملحدين أكدت له أنهم يتبنون النظريات العلمية وكأنها “عقيدة”، الأمر الذي يتناقض جذريا مع فلسفة العلم.

دوافع نفسية واجتماعية

من جهة أخرى، يقول باحث الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عرابي عبد الحي عرابي إن ظاهرة إنكار وجود الإله كانت تتمدد وتتقلّص عبر التاريخ وفقا لعوامل ذاتية واجتماعية مختلفة، ويرى أن حركة “الإلحاد الجديد” التي انطلقت من الغرب لا تستند إلى براهين علمية، وإنما إلى ظروف اجتماعية ومخلّفات الحروب والكوارث، حيث كان أول انبعاث لها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.

ويتابع عرابي أن هذا يدفع أتباع الإلحاد الجديد للإفراط في معاداة الأديان والسخرية منها، والتمتع بدعم مالي وإعلامي سخي، كما هو حال كتاب “وهم الإله” لعالِم البيولوجيا البريطاني ريتشارد دوكنز، الذي تُرجم إلى أكثر من 30 لغة رغم ما تعرض له من نقد علمي وفلسفي كبير.

ويعتبر الباحث السوري أن الحضور الملفت لدعوات الإلحاد الجديد يتعدّى مسألة النقاش الفكري إلى “الدعوة والتبشير” لتحريض الشباب في مناطق النزاعات على استنطاق أزماتهم اليومية برؤية وجودية عدمية، حتى بات رواد الحركة يحرضون الشباب المضطرب بمطلق الثقة على الانطلاق نحو “المشترك الإلحادي” كرسالة يحملونها إلى البشرية، فينطلقون إلى مصادمة القِيم والأديان بعنف واستهزاء.

ويذهب إلى هذا أيضا الباحث المغربي خالد أبداوا، وهو أحد مؤسسي مبادرة “الباحثون المسلمون” المعنية بالرد على الإلحاد بلغة العلم، فيقول إن الحوارات التي يجريها مع الشباب المتشككين تثبت أن أهم دوافع الإلحاد نفسية اجتماعية، مثل حب الظهور والتمرد، أو التعرض لمعاناة شخصية تفقد الشاب التوازن، أو التململ من حالة التخلف الحضاري بالتوازي مع الانبهار بالحضارة المادية.

ويؤكد أبداوا الذي يعمل أيضا منسقا لموقع “المحجة” لمحاورة الشباب، أن الشاب المتشكك يبدي في البداية غالبا تساؤلات معرفية موضوعية، وما إن يخض في النقاش حتى يكشف عن دوافعه النفسية واستيائه من فقهاء الدين والأسرة والمجتمع، وكثيرا ما يكون للقهر الذي يمارسه الآباء عليهم لمنعهم من طرح الأسئلة دور جوهري في التمرد، فهو يدفع الشاب المبتدئ للاعتقاد بأن الإسلام نفسه لا يملك أجوبة عن تساؤلاته.

فشل الإسلاميين

وبموازاة الدوافع السابقة، يرى الباحث المغربي عبد الله الشتوي أن “فشل التيارات الإسلامية كان له أثر كبير في هذه النزعة الإلحادية، خصوصا مع ضعف التأطير الشرعي والاهتمام أكثر بالحشد الجماهيري والسياسي”.

ويضيف للجزيرة نت أن الإلحاد كان ينتشر سابقا في أوساط اليساريين والليبراليين، بينما تجد النزعة الإلحادية اليوم دافعا عاطفيا بين بعض شباب الحركات الإسلامية بسبب الإحباطات والاصطدام بالواقع العصي على التغيير، فضلا عن الاستبداد باسم الشريعة ووقوف بعض الشخصيات الإسلامية إلى جانب الأنظمة التي قمعت شعوبها، حسب تعبيره.

ويلفت الشتوي- وهو من مؤسسي موقع “يقين” لمكافحة الإلحاد- إلى أنه لا يمكن فصل المغرب العربي عن مشرقه، فمع أن بعض الدول المغاربية لم تشهد ثورات عاصفة فإنها تأثرت بالربيع العربي، كما ساهمت بعض المؤسسات “التجديدية” فيها بمهادنة الفكر التشكيكي والترويج للأفكار الليبرالية بذريعة مواجهة الحركات الإسلامية، مما أدى إلى تسهيل الطريق نحو الإلحاد.

ظاهرة خطيرة

في 24 أفريل 2015، نشرت مجلة “نيو ريبابليك” تحقيقا عن الملحدين العرب، نقلت فيه عن الملحد المصري حامد عبد الصمد قوله “أؤمن بحتمية تطبيق العلمانية، وليس مجرد كونها خيارًا آخر لمستقبل مصر.. ما لا نعرفه هو الثمن الذي ستدفعه البلاد، ويخبرني التاريخ بأن ذلك الثمن هو الدم”.

وبهذا الصدد، يحذر الكثير من الإسلاميين من النزعة الصدامية التي يندفع بها أتباع “الإلحاد الجديد”، والتي تبدت في مؤلفات من يسمَّوْن الفرسان الأربعة، وعلى رأسهم دوكنز الذي يعتبر أن الصدام بات حتميا.

ومن هذا المنطلق، يشدد الباحث عرابي على ضرورة مكافحة الإلحاد لأن “أيام الإلحاد المؤدّب ولَّت”. ويضيف أن الحالة الثورية التي تعيشها المنطقة تدفع الشباب الذي اهتزت عقيدته إلى التعامل مع إلحاده الجديد على أنه حالة ثورية تستحق التضحية، وهذا يعيد إلى الذاكرة العنف الذي حمله شباب “الثورة البلشفية” في روسيا ووسط آسيا وما تلاها من قتل وتهجير “مستند إلى الشيوعية الإلحاديّة” في حق عشرات الملايين، مما يستدعي اليوم -حسب رأيه- دق ناقوس الخطر للتحذير من ضرر الإلحاد الذي يتجاوز التطرف الديني.

أما الباحث المصري هيثم طلعت فيرى أن خطر الإلحاد لا يقتصر على نزعته الصدامية المعاصرة، ويستشهد في حديثه مع الجزيرة نت بالفيلسوف الليبرالي البريطاني جون لوك الذي يعد من منظري الدولة المدنية في القرن السابع عشر، عندما قال في كتابه “رسالة في التسامح” إنه لا يمكن التسامح مع الذين ينكرون وجود الله، فالعهد الذي تُبنى عليه روابط المجتمع ينهار عند الملحد الذي يفكك جميع الأشياء.

ويضيف طلعت -وهو طبيب اشتهر خلال السنوات الأخيرة بخوض مناظرات عديدة مع شباب ملحدين على موقع يوتيوب- أن خطر الإلحاد لا يقتصر على الجانب الفكري والعقدي لدى الفرد نفسه، بل يتعداه إلى المجتمع كله، فالإلحاد يفكك معنى الإنسان ويحوله إلى شيء مادي بلا قيمة ولا غاية، وقد يبرر الإبادة الشمولية، حيث يقول أستاذ القانون الأميركي بجامعة “ييل” الملحد آرثر ألين ليف “لا توجد طريقة (فلسفية) لإثبات أن حرق الأطفال بقنابل النابالم أمر سيئ”.

ويحمّل طلعت الإلحاد مسؤولية مقتل عشرات الملايين على يد زعماء ملحدين، مثل الزعيم الكمبودي بول بوت، ورئيس الاتحاد السوفياتي الأسبق جوزيف ستالين، والرئيس الصيني الأسبق ماو تسي تونغ وغيرهم، معتبرا أن الفكر المادي الإلحادي لا يملك أساسا أخلاقيا يمكن التمييز به بين الخير والشر، فتصبح جرائم الاغتصاب والإبادة مثلا مقبولة علميا وأخلاقيا إذا “توافقت” مع آلية التطور.

عودة الدين

على صعيد آخر، قد يبدو تركيز الإعلام على موجة الإلحاد مبالغا فيه، فبمجرد البحث عن مصطلحات الإلحاد واللادينية على شبكة الإنترنت يمكننا اكتشاف عدد هائل من البرامج الحوارية والتقارير والمقالات والكتب التي لا تكتفي برصد الظاهرة وإنما تتعاطف معها بذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا سيما في وسائل الإعلام الغربية التي تستخدم اللغة العربية، ولا نجد في المقابل شيئا يُذكر عن موجة التدين التي رافقت ثورات الربيع العربي إلا في سياق الحديث عن التطرف.

ومن الملاحظ أن معظم مظاهر الحراك الاحتجاجي -السلمي والمسلح- الذي تشهده المنطقة منذ عام 2011 اتسمت بالتدين، مع أن نمط الحياة لدى الكثير من الناشطين والمقاتلين الذين حملوا شعارات إسلامية نضالية -بعيدا عن التطرف- لم يكن “إسلاميا” قبل الربيع العربي.

وإذا كانت موجة الإلحاد في الستينيات قد انحسرت لاحقا مع صعود حركة “الصحوة” في مناطق عربية عدة، وبالتزامن مع حركات “صحوة” دينية مماثلة في الغرب، فقد يكون التنبؤ بصعود الإلحاد المعاصر محفوفا بالمخاطر، حيث تتضارب الكثير من الإحصاءات والاستطلاعات عن أعداد الملحدين إقليميا ودوليا، وربما تتأثر التأويلات والتنبؤات أيضا بالمواقف المسبقة.

وعند سؤالنا عن رأي المحللين والباحثين لمستقبل الظاهرة، قال الباحث أحمد السيد إنه يرى أن لموجة الإلحاد المعاصرة آثارا إيجابية غير مسبوقة، فما أنتجه العلماء المسلمون خلال سنوات قليلة من مواد فكرية للرد والتأصيل ونقض الشبهات، يتجاوز -كمًّا ونوعًا- ما تم إنتاجه خلال عقود، معتبرا أنهم قدموا بذلك حلولا لمشكلات فكرية لم تكن لتُحلّ لولا هجمات الملحدين.

بدوره، يقول الباحث طلعت إنه بعدما أنتج بنفسه عشرات الحلقات المنشورة على يوتيوب للرد على الإلحاد، فإنه متفائل بأن تقديم محتوى جيد بلغة العصر وبأسلوب جذاب يكفي لتعزيز اليقين لدى الشباب.

أما الباحث الشتوي فيرجح أن “يستمر زخم الإلحاد على المدى القريب والمتوسط بسبب بقاء محركاته السياسية، مثل الحرب الأيدولوجية على الإرهاب، والصراع بين الأنظمة والإسلام السياسي، والتخلف، فضلا عن الحضور القوي للثقافة الغربية”.

أحمد دعدوش

الجزيرة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: