مجتمع

قبل البحث عن نصفك الآخر.. أتعرف نفسك أصلا؟

الحب، النصف الآخر، شريك العمر ومواصفاته، كلها أمور تشكل جزءا مهما من حياتنا خاصة للمقبلين على الزواج، لكن ما كان يفترض حبا أصبح أمرا لا يطاق فطلاق، ومن كان يفترض أن يكون النصف الذي يكملك، أصبح النصف الذي ينكد على حياتك. أزواج يعانون مشاكل حتى أصبح المقبلين عليه يهابونه، لكن المشاكل لا تأتي من لا شيء فمن يتعمق قليلا يرى بأن أغلب المشاكل تأتي من أنفسنا. لست هنا بصدد الحديث عن الزواج وإنما سأحاول التحدث عن النفس، تلك التي ندعي أننا نعرفها لكننا دائما ما نهرب منها، لم نغص فيها ونبحث عن جواهرها، لم نكن صادقين معها فقط وإنما مارسنا عليها الكذب حتى أصبحنا نصدق كذبنا.

جرب ألا تشاهد التلفاز ولا تستعمل لا هاتفا ولا وسائل التواصل، لا تقرأ رواية ولا تسمع موسيقى ولا تشغل نفسك بأي شيء، فقط حاول أن تجلس مع نفسك فقط، ستشعر بأن شيئا ما ينقبض داخلك، ستحاول أن تنشغل بشيء ما ينسيك ويلهيك، ستحاول الهرب، ستشعر بأن شيئا ما يضايقك لا تعرف ما هو، ستشعر بأنك تحارب ما شيئا داخلك لكن ما هذا الشيء؟ إنها نفسك التي تحاول الهروب منها، نفسك التي لم تعد تعرفها، نفسك التي أغلقت عليها في دهاليزك فأصبحت تضيق عليك لكي تخرجها، نفسك التي أغرقتها وأنت حاملا هاتفك تتواصل مع أي شخص إلا هي، ربما ستقرأ كلماتي هذه فتتذكرها فتحاول أن تهرب وتشغل نفسك بشيء آخر، أنا مثلك، لطالما تهربت.

دائما ما نتهرب من أنفسنا، دائما نتهرب من الحقيقة، لأن الحقيقة تؤلمنا ونحن دائما ما نبحث عن اللذة، نبحث عن الوهم الذي يشعرننا بأننا بخير، لا توجد مشاكل وإن وجدت، لا تهتم، رفه عن نفسك، استمتع وانسى الأمر، فقط اجلس وشاهد أفلاما ومسلسلات، تخيل نفسك معهم، عش الخيال معهم، عش الوهم الذي يقدمونه لنا، وعندما نعود للواقع تأتينا الصدمة فنهرب ونعود لعيش وهما آخرا على موقع تواصل آخر، خذ صورة، تحدث مع أصدقاء وهميين، استمتع بلذة الإعجاب على صورتك، اشتم من لا تحبه، فرغ مكنوناتك في صفحتك، المهم هو الاستمتاع ولذة الذات الوهمية.

هكذا الأمر، الانتقال من وهم لآخر، اقض وقتك في الفراغ وفي اللاشيء إلا نفسك، إنها العدو، إنها تذكرك بالحقيقة، إنها تذكرك بالواقع المر، تذكرك بغفلتك ووهمك الذي تعيشه. يقول علي الطنطاوي رحمه الله في صور وخواطر: “فإن خلا أحدنا بنفسه، ثقلت عليه صحبة نفسه، وحاول الهروب منها، كأن نفسه عدو له لا يطيق مجالسته، فهو يضيق بها ويفتش عما يشغله عنها، وكأن عمره عبء عليه، فهو يحاول أن يلقيه عن عاتقه، وأن يتخلص منه”.

كلمات تلخص الكثير من رجل حكيم، ما أحاول إيصاله هو اجلس فقط مع نفسك، انظر من حولك، ارجع خطوة للوراء، ابتعد عن جميع المشتتات التي تلهيك وتغرقك معها، أعد النظرة إلى نفسك وإلى أولوياتك في هذه الحياة، هل حقا نفسي ترى بأن الإنجاز الأكبر في حياتي هو فيلا وسيارة فخمة وعمل في شركة ودخل جيد؟، هل حقا هذا هو الإنجاز الذي أطمح إليه؟ أم هو الإنجاز الذي غرس في عقلي منذ الصغر عن طريق الأفلام والدعايات التي يقدمونها لنا ورضعناها منذ صغرنا، هل أصبح نمط الحياة الغربي هو أقصى طموحنا؟ الأمر أصبح حيلة نفسية نقوم بها حتى نحن وننكرها.

نكره أمريكا لكن نحب العيش مثلها، استوردنا حياة الاستهلاك والحلم الأمريكي وأسلمناه، أعطيناه أغطية وشعارات إسلامية كي نرضي أنفسنا وضمائرنا، إنه حيلة الكذب على النفس وتصديقها، هل نعرف قيمة حياتنا حقا؟ أم قيمتنا أصبحت تقاس بمدخولنا الشهري؟ ما معنى وجودنا، أم أن وجودنا لنأكل ونشرب وننال شهادة أكاديمية ونتزوج وانتهى الأمر؟ من نحن حقا؟ أين الله في حياتنا اليومية، في معاملاتنا، في أفكارنا وأفعالنا؟ هل أصبحنا نعرف الله في بضع ركعات ننقرها بدون روح وبصيام أغلبه يتركز على الاستهلاك المتأسلم، أم في مجرد إطار نعلقه في صالوناتنا كدليل على حبنا الجارف؟! أين هي عبادتنا الحقيقية له، وأين خلافتنا لهذه الأرض؟ أم أصبحت الحياة مجرد روتين، حياة بدون حياة، مجرد حياة في الفراغ.

غرقنا في البحث عن حياة كريمة حتى نسينا ما معنى الحياة أصلا، يقول مرة أخرى علي الطنطاوي رحمه الله: “ومن منا ينفرد بنفسه، يفكر فيها ويسائلها: من أين جاءت؟ ولم خلقت؟ وإلى أين المصير؟ إننا نهرب منها أبدا، وننشغل عنها بكل شيء حتى الكتاب الفارغ والحديث التافه، واللعبة الحمقاء، والقعود على كراسي المقاهي الساعات بلا عمل، كل شيء إلا صحبة النفس! كذلك الناس اليوم، نسوا الله فأنساهم أنفسهم!”. كلماته الأخيرة كان وقعها مؤلما عندي، فتح الجراح وقال ها هو المرض لا تتغابوا، لا تنكروا، كفاكم كذبا، كونوا صادقين وداووا أنفسكم.

مواقع التواصل

لهذا قبل أن تبحث عن نصفك الآخر، لا تنسى نفسك أولا، كن صادقا معها حقا، اعرفها وتأمل محل وجودك في هذه الحياة، اعرف أولوياتك وقيمك ومبادئك من فطرتك ومن الإسلام الذي يعيش بداخلك، ابتعد عن المشتتات وانظر هل صنعت هذه المشتتات (من أفلام ومسلسلات، وسائل التواصل والإعلام، إلخ) نفسك؟!، هل هي أعطتك طموحاتك وقيمك ومبادئك، كن صادقا مع نفسك وقل لها: هل صنعتني هذه الأشياء حقا! فقبل أن تتحدث عن غزو الغرب لأوطاننا وأراضينا، هل فكرت من قبل بأن الغرب استولى أولا على عقلك؟ هل أنا مجرد مسخ مشوه انتجتني التكنولوجيا والثقافة البراقة والمبهرة التي أتت بها وسائل الإعلام، لن أكذب، أنا مثلكم، أعاني جل ما قلته في كلامي، ربما أنا مجرد ضحية لهذا العصر، لكن أن تعرف نفسك بأنك ضحية وتمارس اللامبالاة فاللوم عليك، الكلام سهل لكن التطبيق صعب، أعلم هذا جيدا، لكن لكل شيء بداية فلماذا لا تكون من هنا نقطة الانطلاق؟

الرحلة طويلة والزاد قليل لكن اللذة في تلك الصعوبة، في السير عكس التيار، نعم سنخطئ وسنتعثر لأن هذا جزء من طبيعتنا لكن المثابرة والصبر هي أهم شيء وقبل أن أختم أنصح بمتابعة أحدهم كان فضله علي وعلى نفسي كثيرا هو الدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي ومحاضراته الرائعة، لمن يرد، ابحث عن برنامج “ألف باء الحياة” الذي يتحدث فيها عن النفس وعن الآخر ومواضيع أخرى وابحث عن فقه مكاني ولك الخيار في الحكم عليه، وفي الختام ما دامت الروح في الجسد فلديك الوقت للبحث، ابحث قبل أن ينتهي السباق، ابحث واستعن بالله، الله الذي للأسف نسيناه فأنسانا أنفسنا!

دحال محمد تقي الدين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: