مقالات

العرب وصناعة التخلف

من يصنع الارهاب هو من يعمل، وبشكل يومي، على إهانة الشعب بممارسة أشكال مخيفة من الهيمنة والشدة والتعنيف، ولذا ليس غريبا أنّ وطننا العربي يظل المكان المحبب لممارسة الطغيان والاستبداد، لأن الإنسان العربي ألف ذلك.

وقد تكرس عنف الدولة منذ استقلال الشعوب ونشوء الدولة العربية التي لم تكن إلا نسخة مطوّرة من حكم السلطنات والإمارات، فنحن إزاء حكم لا يراعي إلا مصلحته ومصلحة مستعمريه سابقا، والذي لم يقدر على الانفكاك من سيطرتهم لحساباتٍ تخص بقاء السلطة واستمراريتها. والمؤكد الذي لا جدال فيه أن هذه الحكومات لو استندت للإرادة الشعبية واهتمت بتشريع القوانين العادلة، مع القطيعة مع أشكال اقتصاد الريع وتبنت خططا لتعبئة الجماهير، لكانت النتيجة استقلالا متحرّرا من قيود العبودية للآخر المستعمر.

أثبت الواقع السياسي، بمراحله ما بعد الاستعمار، فشل مشروع الدولة العربية وضياع أحلام الوحدة العربية، وضاعت شعارات ردّدت، فتحولت إلى شعاراتٍ تبناها الحاكم العربي، وتعلمنا من دروس السياسة العربية أنّ الشعار يرفع ليبقى شعارا، فلا جدوى من خطابات التعبئة العامة من أجل تحرير فلسطين.

وأخيرا، جاءتنا كواكب الإسلاميين الحالمين بمشروعٍ يلامس الدين ويحقق النهضة، وعلى جواد الديمقراطية حلموا كما حلم من قبلهم اليسار واليمين. لكن الديمقراطية العربية صبرها ضعيف، فلم تحبذ رؤية من يخالف الغرب كما حدث مع اليسار العربي. كما أن الاتجاه الإسلامي عوّل على الديمقراطية، وهو يعلم سرا وعلانية بغضه لها، فلم تكن الديمقراطية مهمة له كما أن الحاكم العربي قد توصل لأفضل الطرق لإقصاء الخصم بإشراكه لفضحه وإضعافه وبعد ذلك إسكات صوته.

لم تتمكّن الدولة العربية بسلوكها الطرق الملتوية من مجابهة الصعاب والمراهنة على الشعوب، بل اختارت الانقياد بوعي، أو بدونه، نحو الغرب الاستعماري، ولم يحالفها حظ التطور والتحديث كما هو حال بلدان شرق آسيا، بل استمرت في تصالحها مع التخلف، وظلت محصورة بين بيانات شعارات النهضة وواقع السقوط في مستنقع التخلف.

الخاسر الأكبر من انقياد الدولة العربية وفقدانها لروح الاستقلال وبلا منازع، هو الإنسان العربي الذي أضحى أضحوكة أمام الآخر، بل وغير مرغوب فيه، واستطاع هذا الإنسان بناء ذاته بعيدا عن الدولة واستراتجياتها التنموية والنهضوية، بل اختار العزلة عنها، يتوارى بعيدا عن مصائدها، حالماً بيوم تتبدّد فيه غيوم الشمولية والانبطاح، ليعيد مشروع الاستقلال، كما كان كما حارب من أجله الآباء المجاهدون.

محمد الأغظف بوية

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: