مقالات

«الديمقراطية» في العالم العربي: البحث في وجهها الإشكالي

الوجه الإشكالي الذي عبَّر عن صعوبة الانتقال إلى الديمقراطية في عالمنا العربي هو طغيان المخَيِّلة الشخصية لنظام الحكم. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبداية ما عرف بتصفية الاستعمار، وما رافقها من بدايات استقلال البلدان العربية، وسلطة الحكم يمارسها ويمثلها شخص واحد لا يشاركه غيره، لا يسمح بأي اقتراب أو مشاورة مؤسساتية أصلاً، ويهدم أي محاولة للانتقال الديمقراطي. فتجربة الحكم العربي، التي رافقت بناء الدولة الإسرائيلية، باءت بفشل ذريع قياسا بتجارب كبيرة وكثيرة ناجعة في تاريخ العالم المعاصر، وفي كامل قاراته، ونعتقد أن الديمقراطية في الأساس والجوهر هي مسألة اجتماعية قبل أن تكون سياسية، ليتصرف فيها الحاكم العربي بالإبعاد والتأجيل.
فالمجتمعات المتمدنة والمتحضرة، التي تجاوبت مع اللحظة التاريخية في كل كثافتها الحاضرة وما تستوجبه من حلول ونماذج، هي التي استطاعت الانتقال إلى الديمقراطية وترسيخها كحالة عادية في الدولة والمجتمع، لأن كل العواصف والأزمات التي ألمت بها استوعبها المجتمع وخرج منها بحلول، راكمتها في صالح التجربة الديمقراطية، وفي صرح بناء الدولة ومؤسساتها. وعلى خلاف ذلك، فما قدمته تجربة العرب، سواء مع أنظمة الحكم أو مع الأزمات والمعضلات التي حلَّت بمجتمعاتها، إن النظام هو الذي يقمع الحركات الاحتجاجية ولا تنتهي إلى تسويات ولا إلى اتفاق بين السلطة والمجتمع المدني، على فرض وجوده أصلا، لأن وجوده يتعارض أصلا مع النظام السلطوي القائم.
الديمقراطية شأن اجتماعي قبل أن تكون شأنا سياسيا، وغياب الحلول السياسية مرده إلى غياب وعي اجتماعي يوفر إمكانية استيعاب الأزمة وتبِعاتها وتَداعياتها لفائدة ومصلحة الشعب والمجتمع. فقد تبيَّن أن المجتمع العربي مجتمع متخلف يرسف في أغلال من التصورات الدينية والغيبيات، تصرِفه عن التعامل مع الحقائق كما هي، خاصة منها الاقتصادية والحياة العامة. فالوعي الاجتماعي القائم الذي يستند في الغالب إلى الدين يعفيه من الجهد والاجتهاد في إرساء الديمقراطية، بل يوظف في الغالب ضد الجماعات الدينية الأخرى، أو لحل قضايا خلافية تراثية في أزمنة عربية قديمة. فالعقل الديني الشعبوي عقل انتهازي تبريري، يسوغ الأخطاء والمنْكَر والذنوب بالأيمان والصلاة والتكفير عنها بالأموال، كما هي حالة المجتمع السعودي ونموذجه الوهّابي المصَدَّر إلى الخارج. فوضع النظام السعودي في الوقت الرّاهن، بناء على ما يجتازه من سياسة ابتزاز الغرب له، خاصة من قبل دونالد ترامب، غير مريح تماما، يؤشر إلى خبط في مجهول غير محمود تماما، وأبرز ضحاياه الديمقراطية، التي سوف تؤجل إلى وقت غير معلوم. فالنظام السياسي القائم اليوم في عهد ولي العهد الجديد محمد بن سلمان لا يبالي إطلاقا بالحالة التاريخية للمملكة العربية السعودية، ويجاري بما تمليه عليه الإدارة الأمريكية المرابية، التي لن تترك المملكة تأخذ بناصية التدرج والحكمة والتعقل في سيرورة الانتقال الديمقراطي. فالغالب في سياسة ولي العهد الجديد الإرباك في التسيير والاستعجال في الحصول على النتائج وخطف المراحل وحرقها، بالقدر الذي يعرض المملكة إلى التشويه، وإلى الخلل الهيكلي الخطير على السعوديين والعمالة المقيمة، فضلا على الدول المجاورة، ولعلّ معالمه الأولى بدت واضحة للعيان.
ولأن الديمقراطية هي مسألة اجتماعية قبل كل شيء، خاصة في الحالة العربية الراهنة، فإن النظام العربي السلطوي يَعْمَد دائما إلى إبعاد المجتمعات عن معاني الديمقراطية ووسائلها كأفضل سبيل إلى الاحتفاظ بالحكم والبقاء فيه. والحقيقة أن الديمقراطية ظهرت كشأن اجتماعي عند بداية ظهور إرهاصاتها الأولى في تجارب الدول الغربية، فنظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، هي عقد اجتماعي قبل ما يظهر لاحقا المجتمع السياسي ويتسع مجاله ليبدأ معنى الديمقراطية في صلته بالسياسة. ويمكن أن نجمل العوائق الذاتية التي لازمت إخفاق العالم العربي للانتقال الديمقراطي على النحو التالي:
* الانتقال الديمقراطي، في الحالة العربية الراهنة، يقتضي من جملة ما يقتضي تراكم التجربة السياسية لنظام حكم عربي، يرسخ مؤسسات الدولة بالقدر الذي ينفي أي إمكانية للاستحواذ عليها وتسخيرها لمآرب شخصية الحاكم وحاشيته، عائلته أو قبيلته.
* الانتقال الديمقراطي في ظل وجود دولة المؤسسات العامة، يحتاج إلى ديمقراطيين، أي فئة المثقفين والمفكرين الذي بلغوا درجة من الوعي يتماهى مع مسار البلد ومصيره. فلا ديمقراطية بدون ديمقراطيين.
*الإرهاب حالة دولية، وللعرب والمسلمين نصيب وافر فيها لأنها تجري على يافطة الإسلام والأصولية الدينية والحكم السلطوي العربي، الأمر الذي يدفع أكثر إلى ضرورة تصفية الدين الإسلامي مما شابه من شوائب الإرهاب والعنف والتطرف، ومن رجعية في التفكير والقدرة على تبنيه كمرجعية أخلاقية ودينية للإنسانية في العالم أجمع. دين يتمتع بذروته العليا، يبتعد عن أي استئثار واستثمار في غير الغرض الإلهي الذي جاء من أجله. فتحرير الإسلام مهمة موكلة بالدرجة الأولى بالمسلمين وقدرتهم على فصل السلطات والمجالات والتخصصات، كما هي عليه اليوم كل الدول الديمقراطية. وعليه فإن الانتقال الديمقراطي يبقى حبيس الأمنية والرجاء، ما دام لا تحسم المسألة الدينية في المجتمعات العربية والإسلامية، لا بل أن أمر الحسم يحتاج بدوره إلى بيئة ديمقراطية تساعد على التفكير التداولي والرأي المتعدد والاجتهاد المساير لروح وسياق العصر ومقتضياته.
الحقيقة أنه لا يمكن أن نصل إلى الخلاص، إلا بقدر ما نؤكد المأزق الحقيقي الذي آل إليه الوضع العربي، بعد إخفاقه في التحول إلى الديمقراطية الذي كان يشترط إرساء صلب للدولة في مدلولها العقلاني والشرعي، على رأي ماكس ويبر. فقد افتقر النظام العربي المعاصر لمؤسسات الدولة ذات الخاصية الدائمية، التي لا تزول بزوال الحكّام. غياب هذا الشرط على مستوى السلطة، أضيف إليه غياب الشرط ذاته، أي الدولة الحديثة ذات الخاصية العقلانية والشرعية، على مستوى المعارضة الإسلامية القائمة في كافة البلدان العربية. فالجهة التي بإمكانها أن تقدم البديل، بناء على ما تتوفر عليه من جماهير معارضة لنظام الحكم، هي المعارضة الإسلامية، التي تمثل في الغالب أيضا المجتمعات العربية، في مقابل السلطة الحاكمة. فالبديل الذي طرحته المعارضة الإسلامية بدوره مستحيل وغير قابل للتحقيق، ليس لأنه مفارق للتاريخ المعاصر فحسب، بل لأن التجربة التاريخية للإسلام ذاته لم تشهد عليه. فالدولة الإسلامية فكرة مستحيلة وعمليا غير ممكنة، وبعض التجارب السياسية التي تمت في سياق الربيع العربي، أكّدَت على ضرورة الامتثال إلى صورة الدولة في مدلولها الديمقراطي الحديث، والتقيّد بإجراءاتها في الوصول إلى الحكم، أو العمل في المعارضة، على أساس أن مصدر الحكم هو دائما الشعب.

نور الدين ثنيو

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: