غير مصنف

ماذا تفعل المقاتلات السعودية في تونس؟

الثابت أنها لم تذهب إلى هناك في مهمة استطلاع واستكشاف روتينية. ولم تكن رغبة طياريها المرهقين في اليمن في أن يأخذوا قسطا ولو محدودا من الراحة، يتخلصوا فيه من أوزار ضحايا مقبلين للإبادة والتشريد في الجارة الجنوبية المنكوبة، هي التي دفعت قادتهم لأن يختاروا لهم تلك الوجهة القصية دون غيرها.

كما أن سوء حظ أولئك الطيارين أو قلة تقديرهم لم تكن بالمثل هي الدافع الذي جعلهم يقصدون بلدا صغيرا لا يملك أسطولا حربيا ضخما، يعادل حداثة وضخامة أسطولهم الجوي. والمؤكد أيضا أن مقاتلاتهم لم تحط بهم على تلك الارض الغريبة عنهم حتى يتعلموا فيها طرقا جديدة لقصف المدنيين في المساجد والأسواق والشوارع والساحات العامة، على يد جيش مازال يبهر العالم بانحيازه المستمر لإرادة شعبه، ويفتقد للتجربة التي تملكها جيوش عربية أخرى في قتل الاطفال والنساء والشيوخ والتنكيل الأرعن بهم.

فما الذي يمكن إذن أن يكون السبب الملح الذي دفع الطائرات الحربية السعودية لأن تغير خط سيرها العادي مطلع الاسبوع الماضي لتدخل منطقة أخرى بعيدة تماما عن مجالها الجوي التقليدي، وتغير وجهتها نحو سماء تونس؟ لقد كان بإمكانها إن كانت ترغب فعلا في تطوير كفاءة طياريها والزيادة من قدراتها التدميرية أن تكتفي بالتدريبات والطلعات الجوية التي تجريها باستمرار مع نظيرتها الامريكية أو البريطانية أو المصرية أو حتى السودانية. ولكنها وفي خروج نادر عن تقليد اعتادت السير عليه لعقود طويلة قررت وللمرة الاولى أن تقوم بمناورات عسكرية مشتركة مع قوات بلد يبعد عنها آلاف الأميال، ولم يعرف أن له علاقات عسكرية واسعة ومتطورة معها، ولأجل ذلك ارسلت عددا من طائراتها إلى تونس لتشارك مع قواتها الجوية في مناورات مشتركة، تحت مسمى “قيروان واحد”. ولأن وصول مثل تلك الطائرات المقاتلة إلى منطقة المغرب العربي للتمرين أو للتدريب عد سابقة في حد ذاتها، فقد طرح الأمر أكثر من سؤال داخل تونس، وربما حتى خارجها حول الدوافع الحقيقية وراء تلك العملية وتوقيتها.

فهل كانت الغاية من وراء قرار قيادة الجيش السعودي هي مثلما قال قائد القوة السعودية المشاركة فيها، لوكالة الأنباء السعودية “تمتين أواصر التعاون والعلاقات بين القوات الجوية الملكية السعودية وسلاح طيران الجيش التونسي، وتطوير المهارات القتالية للرفع من الأداء العملياتي المشترك مع القوات التونسية” فقط؟ أم أن الأمر كان أبعد من أن يكون مجرد تبادل عملياتي وتقني للخبرات العسكرية بين دولتين شقيقتين بقدر ما قد يكون مؤشرا إضافيا على أن هناك تطورات مرتقبة، لا داخل المشهد المحلي التونسي فحسب، بل حتى في المنطقة المغاربية بأسرها؟ فعلى فرض أن هناك عدوا مشتركا يهدد أمن وسلامة البلدين، ويجعلهما على بعدهما الجغرافي وضعف تعاونهما، وحتى حالة البرود والجفاء التي تظهر من حين لآخر في علاقتهما، يقرران في لحظة وعي أن هناك قاسما مشتركا ومصلحة واحدة لهما في العمل معا، للتصدي لذلك الخطر الداهم، فمن يمكن أن يكون مثل ذلك العدو يا ترى؟

إن ما قد يقوله الطرفان هنا هو أن لا شيء أخطر عليهما اليوم وربما غدا من الإرهاب، ولكن هل يمكن أن ينطبق الاسم في كلتا الحالتين معا على المسمى؟ وهل يمكن أن نضع الجيش التونسي الذي حمى التجربة الديمقراطية، ورفض الانقلاب عليها، ولم يتورط في الدماء في خندق واحد مع جيش يدك القرى والمدن عن بكرة أبيها، ويقصف حتى حافلات الأطفال في اليمن، ونعتبر أن لكليهما، وبغض النظر عن طبيعة أسلوبهما والحروب التي يخوضانها معركة واحدة مع العدو نفسه؟ وأي براغماتية يمكن أن تبرر الصمت التونسي على جرائم وانتهاكات النظام السعودي لحقوق الإنسان داخل السعودية وخارجها؟

لقد انضمت تونس قبل نحو ثلاث سنوات من الآن إلى ما عرف بالحلف الإسلامي ضد الإرهاب بقيادة الرياض، وصرح مستشار الرئيس التونسي للشؤون الدبلوماسية حينها، أن ذلك الانضمام “لا يعني البتة تدخل تونس العسكري في اي بلد كان، بل هو فقط دعم سياسي ومبدئي لمبادرة المملكة السعودية، في اطار العلاقات الدبلوماسية مع ذلك البلد، باعتبار تونس ضحية للارهاب مثل العديد من الدول”. ولكن هل كان الدعم السياسي التونسي للسعودية بالنهاية صكا على بياض، ومباركة عمياء للفظاعات التي ارتكبت على مدى سنوات في اليمن؟ ثم ما الذي جنته تونس إن تحدثنا بلغة البراغماتية من ذلك الانضمام الشكلي لحلف عسكري متهم بارتكاب المجازر والإبادات في حق شعب وبلد منكوب؟ هل منحتها السعودية مقابلا خياليا وأغدقت عليها مثلا، ولو ربع المساعدات المالية التي قدمتها للنظام العسكري في مصر؟ إن شيئا من ذلك لم يحصل على الاطلاق بل ظل السعوديون يلوحون باستمرار بورقة ضغط رمزية على تونس، وهي رفضهم تسليم الرئيس المخلوع بن علي لقضاء بلاده. فكيف يقبل التونسيين بعد كل ذلك اذن بفكرة اجراء مناورات عسكرية مع جيش نظام يتهم بارتكاب الفظاعات والخروقات الجسيمة ولا يعد حليفا استراتيجيا وثيقا يمكن التعويل عليه عند الحاجة؟

حتى إن كانت بلادهم قد شاركت في وقت سابق في ما عرف بتمرين “رعد الشمال” الذي وصفته الصحافة السعودية في ذلك الوقت بأنه التمرين العسكري الأكبر والأهم في تاريخ المنطقة، فإن تلك المشاركة اقتصرت، كما صرح الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع التونسية حينها، على ارسال ضابطين كملاحظين في تلك المناورات. ولاجل ذلك فلا شيء يمكن أن يبرر انخراط السعودية في مناورات جوية مع تونس وبذلك الحجم المعلن عنه. كما أنه سيكون من الغباء ايضا أن نتصور أن تلك الخطوة هي مجرد سخاء زائد، أو استعراض قوة مجاني لأن السعوديين يدركون جيدا أن تحركهم نحو تلك المنطقة بالذات لا يمكن أن يتم من دون ضوء اخضر من تلك القوة العظمى، التي صادف أن قال رئيسها ساعات قليلة قبل وصول الطائرات السعودية إلى تونس، إنه لولا الحماية الامريكية لما استطاع العاهل السعودي الاحتفاظ بطائراته. أما ما يمكن أن يكون قد سمح للسعوديين بان يحصلوا على تلك المباركة الامريكية فهو باختصار شديد رغبة واشنطن في أن توسع دائرة نفوذها الإقليمي، وتخبر باقي حلفائها من القوى التقليدية، وفي مقدمتها فرنسا، أنها معنية بشكل مباشر بالتغييرات المرتقبة، لا داخل تونس فحسب، بل حتى في جزائر ما بعد بوتفليقة.

وربما كان لقاء الرئيس التونسي بوزير داخلية الجزائر في الايام التي وصلت فيها طائرات السعودية إلى تونس، فرصة للتونسيين ليخبروا الجارة الكبرى أن الامور لم تعد تماما بإيديهم وحدهم. لقد قالها الباجي قائد السبسي للمسؤول الجزائري وبوضوح تام ” نحن لا نستطيع فعل شيء من دونكم، وانتم لا تستطيعون فعل شيء من دوننا”. ولكن هل سيكتفي البلدان بعدها بمتابعة “عاصفة الصحراء” المقبلة بلا حول ولا قوة؟ أم انهما سينتبهان إلى أن وصول المقاتلات السعودية يفرض عليهما التكتل والتعاون لمجابهة مخاطر المستقبل؟. لعل الأيام تخبرنا بذلك.

نزار بولحية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: