تقاريرسياسة

عادل عبد المهدي رئيسا لحكومة العراق.. التحديات وظروف الاختيار

ما إن تمّ انتخاب برهم صالح رئيسًا للجمهورية، في 2 أكتوبر 2018، حتى كلّف السياسي الشيعي، عادل عبد المهدي، بتشكيل حكومة عراقية جديدة، تخلف حكومة رئيس الوزراء المنتهية ولايته، حيدر العبادي، والتي قادت العراق خلال السنوات الأربع الماضية، وطُبع أغلبها بالحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

لماذا عبد المهدي؟

خلافًا للطريقة التي جرى بها ترشيح رئيس الوزراء في العراق منذ الاحتلال الأميركي عام 2003، وكذلك للمادة (76/ أولًا) من الدستور العراقي الدائم لسنة 2005، والتي تنصّ على أن “يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل مجلس الوزراء”، ولكن من دون تناقضٍ معها، كلّف رئيس الجمهورية المنتخب برهم صالح السياسي الإسلامي الشيعي، عادل عبد المهدي، بتشكيل الحكومة؛ إذ تجاوز مجلس النواب العراقي تحديد الكتلة النيابية الأكثر عددًا، ليقفز مباشرة إلى تسمية رئيس مجلس الوزراء، في صيغة توافقٍ قبل بها الجميع، فمع الصراع بين الائتلافين الفائزين، “سائرون” (54 مقعدًا)، و”الفتح” (48 مقعدًا)، على تحديد أي طرفٍ منهما يستطيع بناء الكتلة الأكبر عبر تحالف نيابي يحظى بتشكيل الحكومة، لم يكن رئيس الوزراء المكلف مرشحًا لأيِّ طرف من الطرفين، ولا لأيِّ تحالف في مجلس النواب، وهو لا ينتمي إلى أيٍّ من الطرفين، بل إنه لم يكن مرشحًا للانتخابات أصلًا. لقد جُلب هذا المكلّف التوافقي من خارج المعسكرات البرلمانية القائمة.

وبعد أن أطاحت احتجاجات البصرة (سبتمبر 2018) فرصَ بقاء  حيدر العبادي رئيسًا للوزراء، على الرغم مما يحظى به من الدعم الأميركي (والسعودي)، ومن كونه الخيار الأول لتحالف سائرون، فإن ما كشفته هذه الاحتجاجات من فشلٍ مزمنٍ في توفير الدولة الخدمات العامة، وردود فعل القوى الأمنية العنيفة تجاه الاحتجاجات والمحتجين، حيث أوقعت نحو 14 قتيلًا، أدّى إلى فَقْد العبادي إمكانية بقائه مرشحًا للاستمرار في السلطة، وإلى تخلي تحالف “سائرون” عنه. وقد بلغت ذروة الموقف من العبادي، حين طالب تحالف سائرون، في بيان رسمي داخل مجلس النواب، باستقالة العبادي وحكومته؛ على خلفية قمع احتجاجات البصرة.

وبما أنه لم يتم الاتفاق على تحديد الكتلة النيابية الأكثر عددًا، ولم يتمكّن تحالف “سائرون” من تقديم شخصية مقبولة بديلة من العبادي، في حين أنّ معظم مرشحي الفتح قريبون من إيران، في بلدٍ لا يزال تربطه علاقات قوية، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، بالولايات المتحدة الأميركية، طُرح اسم عادل عبد المهدي. جاء هذا الطرح حلًا توافقيًا من خارج الانقسام السياسي الشيعي الذي تكرّس بين تحالف “سائرون” الذي يقوده الصدر مع حلفائه وائتلاف دولة القانون الذي يتصدّره قادة الحشد الشعبي، من أمثال هادي العامري في تحالف مع نوري المالكي. ويبدو أن مرجعية النجف قرّرت أيضًا عدم ترشيح العبادي، وترشيح عبد المهدي بدلًا منه؛ لتجاوز حالة الاستقطاب السائدة والخروج من المأزق، بعد مرور نحو خمسة أشهر على إجراء الانتخابات.

من هو عبد المهدي؟

ينحدر عادل عبد المهدي (من مواليد 1942) من عائلة سياسية شيعية معروفة؛ فهو ابن عبد المهدي المنتفجي، الوزير “المزمن” في الحقبة الملكية، والذي كان من أبرز الحاملين للمطالبات الشيعية في تلك الحقبة. بدأ حياته السياسية مبكرًا، فانتمى إلى حزب البعث أولًا، لكنه غادره بعد انقلاب شباط/ فبراير 1963، وتبنّى الشيوعية في صيغتها الماوية التي صعدت في العراق في النصف الثاني من الستينيات، في سياق ما عُرفت بـ “حركة الكفاح المسلح”. وفي هذه المرحلة، كان لعبد المهدي نشاط فكري في الكتابة، وترجمة بعض النصوص الماركسية، غير أنه اختار، مع مطلع الثمانينيات، مغادرة اليسار والانتماء إلى المعارضة الإسلامية الشيعية، فانضمّ إلى المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، بعد تشكيله في إيران في ثمانينيات القرن الماضي. وعبد المهدي متخصّص في الاقتصاد السياسي من إحدى الجامعات الفرنسية، وقد أعدّ أطروحة الدكتوراه في هذا الحقل، ولم يتمكّن من مناقشتها، وله دراسات في هذا المجال، ولا سيما موضوع الاقتصادات الريعية، فضلًا عن الكتابة في الفكر الإسلامي.

لم يأتِ عبد المهدي من خارج الأطراف السياسية الشيعية، بل كان قياديًا في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي. وكان مرشّح المجلس لتولي وزارات سيادية مهمة ما بعد 2003؛ مثل وزارة المالية في حكومة إياد علاوي (2004 – 2005)، ووزارة النفط في حكومة العبادي (2014 – 2016). كما كان أحد أبرز المخططين لإستراتيجيات العراق الاقتصادية ما بعد 2003. غير أنه، بعد استقالته من وزارة النفط (2016)، اختار التقاعد، ولم ينتمِ إلى أي طرفٍ من الطرفين السياسيين، بعد أزمة الانشقاق في المجلس الأعلى، وخروج زعيمه عمار الحكيم، وتشكيل ما عرف بـ “تيار الحكمة الوطني” عام 2017؛ ما يجعل عبد المهدي مرشحًا مستقلًا، على الرغم من أنه ظل قياديًا في المجلس الأعلى إلى ما قبل سنتين.

تحدّيات رئيس الحكومة المكلف

يرى كثيرون أن عادل عبد المهدي اختير بسبب خلفيته الاقتصادية؛ ما يعني أن الرهان على حكومته سيكون رهانًا على الإصلاح الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتحسين الخدمات. وهي تحدّيات جسيمة، لبلدٍ لم يخرج بعدُ كليًا من الحرب على “داعش” التي خلفت دمارًا واسعًا في أجزاء كبيرة من البلاد. كما أنّ تقلبات أسعار النفط وتسييس السوق النفطية يهدّدان البلادَ في مصدر دخلها الأساسي.

لكنّ أسلوب اختيار عبد المهدي لرئاسة الوزراء لا يمثّل إصلاحًا للنظام السياسي العراقي، الذي يعاني أزماتٍ بنيوية، كانت أحد عوامل فشل الدولة فيه، بقدر ما سيتسبّب في مزيد من المشكلات التي ستواجه عبد المهدي في عمله، ولا سيما أنه سيكون رئيس وزراء من دون قاعدةٍ برلمانية؛ ذلك أنه ليس عضوًا في أي تيار سياسي، ولم يكن مرشّح ائتلاف محدّد، وكذلك، لا يتوقع أن يسعى، وقد اختار التقاعد قبل أن يُرشَّح لرئاسة الوزراء، لبناء كتلة سياسية حوله، من داخل مجلس النواب وخارجه؛ باعتباره المسؤول التنفيذي الأول في البلاد. ودائمًا، ما تشهد بلدان، ذات ثقافة سياسية، مثل العراق، استقطابًا حول صاحب السلطة يستند إلى شبكةٍ زبائنية واسعة، خصوصا في بلد ريعي يعتمد على النفط، كما في حالة رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، الذي بنى ائتلافًا قويًا حوله، لا يزال قائمًا.

من جهة ثانية، وحيث إنه جرت تسمية رئيس للوزراء من خارج الكتل السياسية الفائزة، في تسويةٍ قبل بها الجميع، يتوقع أن تعوّض الكتل السياسية من خلال منافستها على الوزارات، سيما السيادية منها؛ ما يمكن أن ينازع رئيس الوزراء في صلاحياته، ويُضعف من سلطاته. لهذا أيضًا، يُتوقع أن ترفض هذه الكتل الدعوات المنادية بتشكيل حكومة تكنوقراط تفكّك نظام المحاصصة القائم؛ ومن ثمّ يُرجّح أن تكون الحكومة العراقية المقبلة ماضيةً في إعادة إنتاج “تقاليد” النظام السياسي القائم.

وتتمثّل الفرصة الوحيدة في هذا الاتجاه، هنا، في أن يتمسّك تحالف “سائرون” برغبته في عدم تسلم مناصب وزارية، انسجامًا مع دعوة زعيمه، مقتدى الصدر، إلى إنشاء حكومة تكنوقراط؛ ما قد يجبر الأطراف السياسية الأخرى على القبول بصيغة محدّدة لتوزيع الوزارات، تنسجم مع ما يخطط له تحالف “سائرون”، بوصفه الفائز الأول في الانتخابات.

ويتوقع أن يستفيد عبد المهدي في مواجهة التحدّيات التي تنتظره من خبرةٍ سياسية طويلة، ومن علاقاتٍ حسنة تربطه بأغلب المكونات السياسية العراقية، ومن كونه رجل تسوياتٍ، لا رجل مواجهات؛ ما يضعه خارج الاستقطابات المحلية والإقليمية والدولية. وإضافة إلى تمتّعه بعلاقاتٍ جيدة بأكثر القوى السياسية السُنية، تربط عبد المهدي علاقاتٌ تاريخيةٌ بالساسة الكرد؛ ما قد يسهم في تحسين العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان التي شابها توتر واضح خلال حقبتَي المالكي والعبادي، لا تتحمّل بغداد وحدها – بكل تأكيد – مسؤوليته، ولا سيما بعد أزمة الاستفتاء في استقلال كردستان، وما تلاه من تداعياتٍ؛ مثل إعادة انتشار الجيش العراقي في كركوك والمناطق المتنازع عليها (سبتمبر – أكتوبر 2017).

أمّا على المستوى الإقليمي، فيُعدّ عبد المهدي شخصًا توافقيًا، كما هو الشأن على المستوى الداخلي. وليس مصادفة أن يُطرح اسمه ثانيةً لرئاسة الوزراء؛ إذ سبق أن طُرح إبّان أزمة 2010، بعد فوز القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي بالمرتبة الأولى، لكن المالكي تولى رئاسة الوزراء على الرغم من ذلك، بدفعٍ من إيران التي ضغطت لإنشاء ائتلافٍ أوسع مكّن الأخير من تشكيل الحكومة.

وفي سياق التنافسات والصراعات الإقليمية الحادّة في المنطقة، لا يُعرَف أنّ طرفًا إقليميًا محدّدًا يعارضه؛ فهو غير محسوبٍ على الخط الإيراني (خلافًا للمالكي والعامري)، وفي الوقت نفسه، لا ينتهج سياسات معارضة للتوجّهات الإيرانية. كما أنه مقبول أميركيًا، وإنْ لم يكن مرشح الولايات المتحدة لمنصب رئيس الوزراء. وفضلًا عن ذلك، لعبد المهدي صلاتٌ قوية بالمنظمات الدولية، أنشأها عندما تولى حقيبتَي المالية والنفط، وفي عام 2004 أدار ملف العراق في نادي باريس لإعادة جدولة ديونه؛ ما يعني أنه ربما يكون الخيار الأمثل لرئاسة الحكومة في هذه المرحلة التي يُتوقع أن تشهد تصاعدًا في الصراع الأميركي – الإيراني، خصوصا في العراق.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: