تقارير

بوتين و”الملف اليهودي” في روسيا، وموقفه من العلاقة بين موسكو وإسرائيل

في يوم ميلاد فلاديمير بوتين السادس والستين الذي صادف في السابع من اكتوبر 2018 كان رئيس وزراء الكيان الاسرائيلي بنيامين نيتانياهو من بين المهنئين للرئيس الروسي هاتفياً. هذا الاتصالُ هو الاول بينهما بعد توريد انظمة “أس – 300” الى سوريا على خلفية ضلوع تل ابيب في إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية “أيل – 20” في ١٧ سبتمبر 2018. حالة “اللايقين” الراهنة التي تشهدها العلاقات الروسية الاسرائيلية تفتح من جديد “الملف اليهودي” في روسيا بعد حوالي ثلاثة عقود على استئناف التبادل الدبلوماسي وتطبيع العلاقات بين موسكو وتل ابيب. ومن بين الأسئلة الاكثر إلحاحاً في هذا القضية، ما هو موقف بوتين شخصياً من “الملف اليهودي”؟ وما هي رؤيته للعلاقات الروسية الاسرائيلية؟

اليهود في مسيرة بوتين

كتب وقيل الكثير في قضية يهود روسيا على مدى حوالي عقدين من الزمن مذ ظهر في واجهة المشهد السياسي الروسي ضابط المخابرات السوفييتي السابق فلاديمير بوتين. وقبل إصدار حكمٍ او الخروج باستنتاج حول علاقة بوتين باليهود واسرائيل لا بد من الوقوف على الشواخص التالية:

فلاديمير بوتين ضابط سابق في المخابرات السوفييتية “كي جي بي” التي كانت تعتبر اسرائيل عدواً واداةً فاعلة في قبضة الإمبريالية العالمية، اما اليهود السوفييت فوسطاً ملائماً للطابور الخامس الذي يخدم المخططات الصهيونية؛ فلاديمير بوتين بدأ خدمته في “كي جي بي” ضابطاً في قسم مكافحة التجسس، ومن شبه المؤكد انه اصطدم بيهود عملاء ومتعاونين مع الغرب؛ فلاديمير بوتين عاش طفولته في لينينغراد في شقة جماعية “كومونية” حشراً مع عوائل اخرى، من بينها عوائل يهودية، ما يعني انه عرف الكثير عن اطباعهم وعاداتهم وتفكيرهم وولاءاتهم؛ فلاديمير بوتين عايش تحولات “التسعينيات اللعينة” التي واكبت انهيار الاتحاد السوفييتي واستحواذ اليهود على مفاصل الاقتصاد والقطاع المالي في روسيا؛ فلاديمير بوتين شهد نشوء “اللوبي اليهودي” وتعاظم دوره في اتخاذ القرار السياسي الروسي وارتباطه بالولايات المتحدة واسرائيل؛ فلاديمير بوتين اصطدم شخصياً بالأنشطة الهدامة لممثلي “اللوبي اليهودي” في مؤسسات الدولة ووسائل الاعلام، كإذكاء الحرب الشيشانية.

بوتين وإرث يلتسين الثقيل

في نهاية تسعينيات القرن الماضي كانت روسيا تقف على حافة الهاوية: تنامي النزعة الانفصالية في الأقاليم الروسية، فقدان السيطرة على الشيشان، تدني معنويات الجيش الروسي، شبه انفلات امني في البلاد، تفشي الفساد بشكل فاحش، سيطرة فئة قليلة معظمها من منتسبي “اللوبي اليهودي” على مقدرات البلاد، انهيار العملة الوطنية وتفاقم الازمة الاقتصادية، انتشار الأزمات والنزاعات المسلحة في الفضاء السوفييتي السابق، توسع حلف شمال الأطلسي باتجاه الأراضي الروسية، انفراد الولايات المتحدة على الساحة الدولية وانقضاضها على حلفاء روسيا التقليديين، مثل يوغسلافيا.

في هذه الظروف القاسية يظهر فلاديمير بوتين في واجهة المشهد السياسي الروسي. ولو ان ظهوره كان مفاجئاً، الا انه كان تدريجيا ايضا، حيث انتقل من بلدية سانت بطرسبورغ الى ديوان الرئيس بوريس يلتسين نائباً لمدير مكتبه، فجهاز الامن الفيدرالي مديراً، فمجلس الامن القومي أميناً للسر، فرئيساً للحكومة الروسية الى ان استقال يلتسين ليصبح بوتين قائماً بأعمال رئيس الدولة في آخر ايّام عام ١٩٩٩. ومنذ ذلك الحين يمسك بزمام الأمور في البلاد. حتى الان يروى الكثير عن اسرار هذه السرعة الفائقة في تسلق بوتين لسلم السلطة في روسيا. الرواية الاكثر شيوعاً تقول إن “الدولة المخابراتية العميقة” في روسيا رشحت بوتين لإنقاذ البلاد التي دنت من حافة الهاوية في نهاية تسعينيات القرن العشرين.

الرئيس الشاب ورث دولة مفلسة وشبه منهارة، تمزقها تناحرات سياسية، وتنهش لحمها عصابات المافيا، ويمتص دماءها “اللوبي اليهودي” بصفته المستفيد الاول من كل هذه العلل، بهدف مصادرة قرارها السياسي، وتحويلها الى ذيل للغرب واسرائيل. فما كان على الرجل ان يفعل؟

التكتيك والاستراتيجيا في التعامل مع “اللوبي اليهودي

يشاع ان أول ما فكر به بوتين عند وضعه الخطط التكتيكية والاستراتيجية لإنقاذ روسيا وإعادة نهضتها هو عامل الوقت. فكان عليه ان يقلب السلبيات الى ايجابيات، ويحول أعداء روسيا الى أصدقاء، ولو ظاهريا ومرحليا، ويحد من التأثير السلبي “للوبي اليهودي” على الاحداث في البلاد. والبداية كانت مع المشهد الشيشاني، حيث استدرج الانفصاليين الى معركة في داغستان ليوجه لهم ضربة قاضية، ويلاحق رموزهم على مدى سنوات، حتى في الخارج، لتصفيتهم، كما فعل مع رئيسهم زليمخان ينداربييف، الذي اغتاله رجال المخابرات الروس في الدوحة. لكن الحسم في الشيشان ما كان سيكتمل من دون تحييد عراب “اللوبي اليهودي” في الكرملين، الملياردير بوريس بيريزوفسكي، الذي اضطلع بدور بارز في اطالة امد الحرب الشيشانية، مستفيدا منها كسمسار حرب وممول للانفصاليين. نهاية هذا الرجل معروفة، فقد عثر عليه مشنوقاً في فيلا كان يملكها ليس بعيدا عن قصر ويندزور الصيفي للأسرة الملكية البريطانية.

الخطوة الثانية التي اقدم عليها بوتين تكمن في تهيئة ارضية للانشقاقات في كونغرس المنظمات والجمعيات الدينية اليهودية في روسيا. وبواقع الحال فان لدى يهود روسيا اليوم زعيمين دينيين هما آدولف شايفيتش الذي يمثل اليهودية التقليدية وبيرل لازر الذي يمثل الحركة الحسيدية. هذا الانقسام اسهم في شق وحدة الصف اليهودي، وأدى الى منافسة شديدة بين “القطط السمان” (“الاوليغارشيا”) في “اللوبي اليهودي”.

أما الخطوة الثالثة فتأتي إتماماً للخطوتين الاولى والثانية، وتكمن في استهداف “القطط السمان” الذين استحوذوا على مقدرات البلاد بأساليب غير قانونية، بل واجرامية، فأودع الملياردير ميخائيل خودوركوفسكي السجن بعد مصادرة اصوله وفِي مقدمها شركة “يوكوس” النفطية. وسمح لكل من فلاديمير غوسينسكي وألكسندر سمولينسكي بمغادرة روسيا بعد ان تنازلا لشركات قريبة من بوتين عن الحقيبة الاكبرَ من اصولهم الإعلامية والمصرفية. اما رومان ابراموفيتشوك فقد أعطاه بوتين الأمان وعينه حاكما لمنطقة تشوكوتكا في أقصى شمال شرق روسيا، بعد ان أعاد للدولة، كما يقال، نصف ثروته. ابراموفيتش يملك حاليا نادي تشيلسي لكرة القدم ويقيم في بريطانيا. وعلى هذا المنوال روض بوتين من روض من المليارديرات اليهود. وعلى سبيل المثال فان الأخوين أركادي وبوريس روتنبرغ يقعان تحت العقوبات الغربية على خلفية استثماراتهما مئات ملايين الدولارات في شبه جزيرة القرم بعد انضمامه الى روسيا. هكذا جند بوتين الأثرياء اليهود لتحقيق أهدافه.

الخطوة الرابعة التي اقدم عليها بوتين تمثلت في السيطرة على وسائل الاعلام وابقاء النفوذ اليهودي فيها. واليوم عندما وقعت كارثة طائرة “ايل – 20″، اضطر الصحفيون اليهود، الذين يؤثرون بشكل كبير على الاعلام والرأي العام الروسي، اضطروا مكرهين لتغليب ولائهم لبوتين على ولائهم لإسرائيل.

الخطوة الخامسة والاهم هي الإيحاء بحرص موسكو على علاقات قوية مع تل ابيب، وهذا ما يحاول التباهي به على الدوام رئيس وزراء الكيان الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. لكن من يعرف طبيعة بوتين وسير أفكاره وما يحب وما يكره يستنتج بسهولة ان نتنياهو لا يمثل ذلك الصنف من القادة الذي يعجب بهم بوتين ويرتاح للتعاون معهم. فهو الإيحاء إذاً.

هل انتهت هدنة بوتين مع “اللوبي اليهودي”؟

في رسالته الى الجمعية الفيدرالية الروسية في ١ مارس ٢٠١٨ كشف بوتين للعالم عوامل قوة روسيا: صواريخ لا تقهر وأخرى فائقة السرعة، غواصات غير مأهولة وغير مرئية، مدافع ليزر وغيرها من الاسلحة التي يجري تطويرها في روسيا اعتمادا على مبادئ فيزيائية جديدة. بذلك استعرض بوتين انه مستعد للمواجهة، بما فيها العسكرية.

بوتين سعى خلال السنوات السابقة الى تأجيل المواجهة مع الخصوم الطبيعيين لروسيا محافظا على الهدنة معهم. وخلال هذه السنوات نجح في تقليم أظفار كل من اوكرانيا وجورجيا اللتين أرادتا فتح البوابات امام البنى العسكرية الأطلسية في الخاصرة الجنوبية (القوقاز) والصميم الغربي (اوكرانيا) لروسيا. ولعل الإنجاز الأهم والأكبر يكمن في اعادة شبه جزيرة القرم الى حضن الوطن الأم لتستعيد روسيا بذلك دورها كقوة مهيمنة في البحر الأسود. اما تدخل روسيا عسكريا في سوريا فجاء تجسيداً لعودتها الى المنطقة بقوة وزخم تحقيقا للتوازن الاستراتيجي مع تحالف دول الغرب، الذي من الطبيعي ان يضم الكيان الاسرائيلي. وبهذا المعنى فان “اسرائيل” الفرع – الطفل المدلل لأميركا الأصل – هي خصم محتمل اكثر من ان تكون شريكاً طبيعياً. ومن هذا المنطلق فان انتهاء الهدنة مع الأصل تعني تلقائيا انتهاء الهدنة مع الفرع. وفِي حالة “اسرائيل” فان العكس صحيحٌ ايضا. روسيا ارادت اطالة امد الهدنة مع “اسرائيل” لتفادي شر “اللوبي اليهودي”. اما بعد فرض العقوبات الغربية عليها – فلأجل الإبقاء على الأبواب مفتوحة وقنوات الاتصال متاحة عبرها مع واشنطن بالدرجة الاولى. لكن لا “اللوبي اليهودي” ولا “اسرائيل” لم يفعلا شيئاً يذكر لإقناع “اللوبي اليهودي” في اميركا بالتأثير إيجابيا على سياسة واشنطن تجاه موسكو. فما جدوى هذه العلاقة غير المتكافئة بين روسيا والكيان الاسرائيلي اذا؟ حادثة طائرة “ايل – ٢٠” كشفت الكثير مما كان محظورا البت به فيما يخص العلاقة بين موسكو وتل ابيب. لهجة الخطاب الرسمي الروسي، سواء في بيانات وزارة الدفاع ام في تصريحات وزارة الخارجية، أظهرت الأمور على حقيقتها. الغضب على التصرفات الاسرائيلية والاستياء من تسامح موسكو معها لم يعد لهما حدود صبر. فثمة من يتساءل ما الداعي للإبقاء على الهدنة مع من لا يحترم الهدنة ولا ينوي الالتزام بها؟

مما لا شك فيه ان “اللوبي اليهودي” سيحاول بكل ما لديه من قوة ونفوذ اعادة مياه العلاقات الروسية الاسرائيلية الى مجرى ما قبل حادثة “ايل – 20” متحدياً “اللوبي الوطني الروسي”. في الجولة الأولى الغلبة كانت “للوبي الروسي”، لكن لهذا النزال جولات عديدة، والفوز فيه سيكون باهظ الثمن.

سلام العبيدي

الميادين

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: