مجتمعمقالات

مدافع الثورة ومصانع الإرهاب!

(السجون التونسية من الداخل)

السجن في بلادي كالقبر لا مفر منه ولا مهرب، فهو ممر اضطراري، على الجميع أن يعبره، صغر شأن المار أم كبر، إلا من رحم ربي..
وكواحد من أبناء هذا البلد (التعيس)، كان لي شرف العبور، ولو لفترة وجيزة، بعد إحالة ظالمة (برّأني منها القضاء)، وقد تأكّد لي من خلالها بأنّ الإصابة (بل التصويب) بجهالة هي الأصل في بلادي وأنّ التبيّن استثناء.. !
وعلى كلّ فقد تجرّعت من هذه الكأس التي شرب منها الكثيرون.. وكانت تجربة مريرة قاسية في ظاهرها وآثارها لكنّها غنيّة ثرية بمضامينها وتجلياتها.. وقد أردت مشاركتكم فيها قصد الافادة والاعتبار..
أصعب اللحظات:
بعد البحث والتحقيق الأولي يُحال المتهم على النيابة، حيث تأمر بحبسه على ذمة القضية ريثما يبتّ فيها القضاء. وتصدر لأجل ذلك أمرا بإيداعه السجن. ويمكث المتهم ساعات طويلة في سجن صغير (“جيول” géol. ) أسفل المحكمة أو في قبوها، في انتظار ترحيله..
وعند اكتمال العدد تنطلق السيارة، وهي عبارة عن شاحنة مصفحة مظلمة محكمة الإغلاق شبيهة بسيارات نقل الموتى، إلا أنها معدّة هنا لنقل موتى الأحياء.. !وما تكاد تصل إلى غايتها حتى يتنفس الجميع الصعداء، وقد نجوا لتوّهم من الموت اختناقا في الأثناء..
وبعد الانتهاء من مراسم التسلم والاستلام يتم تجميع الوافدين في الجناح الخاص بالإدارة قصد إتمام إجراءات البيت الجديد.. ثم يتم اقتيادهم إلى غرفة تسمّى، مزحا أو تهكّما، بيت الضيافة.. ! على أنّ بعض المحظوظين منهم، ممن لهم واسطة قويّة أو علاقة بالأعوان، إنما يتم توجيههم إلى جناح خاص أقل اكتظاظا وأكثر رفاهية.. !
ويكاد يُجمع النزلاء أنّ من أصعب اللحظات التي مرت بهم هي لحظة دخولهم الى الغرفة في أول وهلة حيث ترمقهم العيون بسهامها، فبين شامت ومستنكر يقف فضولي متطفل مستطلعا أخبار الوافدين الجدد وقصصهم ملأ للفراغ وتحديا للملل..
وتمضي الساعات بطيئة يشعر معها النزيل، (لاسيما المبتدأ)، بالغربة والوحشة وضغطة السجن (أو بالأحرى القبر).. !
قيمة الحرية: 
ويشعر السجين بالأسى والأسف على جوهرة أضاعها ولم يقدّرها حق قدرها ولم يفتقدها إلا بعد فقدها، ألا وهي الحرية.. (وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر).

قواعد صارمة:
شيئا فشيئا يتعرّف النزيل على مسكنه الجديد وقواعده الصارمة بعد أن يصطدم ببعضها أو يكاد، ويكتشف بأنّه في سجن مضاعف. فسجّان من الخارج وزبانية من الداخل.. !

“الكبران”:
وهو بمثابة (العقيد)، لكن في غرفة السجن هذه المرة لا في باب الحارة. وتنتقيه إدارة السجن بعناية من بين ذوي الأحكام الطويلة والسمعة الإجرامية المخيفة. وتنيط به حفظ النظام داخل الغرفة مقابل بعض الامتيازات. ويساعده في مهمته ” كبران” أو أكثر. فواحد لترتيب الغرفة وفرشها (كبران شمبري)، وآخر لتنظيفها (كبران كرفي)..كما يوجد متطوعون كثر خارج الغرف.. تعددت الأشغال و” الكرفي” واحد.. !

قاموس غريب:
” دريبة” (وتعني جنحة)، “وزارة” (وتعني جناية)، “كرفي”، ” كبران”، “لاريا”، ” طيّح”.. الى ما هنالك من مصطلحات غريبة تكاد لا تسمعها سوى في ذلك المكان. ولكل منها نكهة خاصة وقصة تنبؤك بثقافة عريقة متوارثة.. !

خبراء في القانون:
ليس غريبا أن تجد من بين النزلاء من هم متضلّعون في القانون، بحكم الخبرة والممارسة، بحيث يُسمعونك حكمك بجميع حيثياته حتى قبل أن ينطق به القضاء.. !
الروتين اليومي:
يمر يوم السجن بطيئا جدا وثقيلا على نزلائه لا سيما المبتدئين.. وينهض الجميع على صوت ” الكبران” وشتائمه وصرخاته.. ثم يخرج كل من في الغرفة الى ” اللاريا” (وهي فضاء مفتوح غير مغطى بمساحة حوالي غرفتين أو أكثر، ويعتبر المتنفس الوحيد للنزلاء ). ويصطف الجميع (خمسة – خمسة) للحساب، ويطلب منهم ” الكبران” تحية العون الذي يتأكد من العدد ويأذن بانصرافهم مجددا إلى الغرفة..
وبعد ساعة تقريبا يخرج الجميع الى ” اللاريا” لفترة وجيزة (حوالي ثلث ساعة)، ليتنفسوا الصعداء ولينفضوا عنهم غبار ليل ثقيل.. ثم ليعودوا من جديد إلى الغرفة.. وهكذا يتكرر الأمر صباحا ومساء متنفس وحساب ف” شمبري”..
حلاق السجن:
أثناء الاستراحة يتطوع بعض النزلاء المأذونين لحلاقة زملائهم رأسا ولحية بعد أن توفر لهم الادارة ما تيسر من أدوات. وتعد الحلاقة من الطقوس الالزامية حيث لا يُسمح بتطويل الشعر ولا يُتسامح مع اللحية..
طعام من غسلين.. !
رغم أنّ النزلاء، لاسيما القدامى منهم، يُجمعون على أنه نسبيا قد تحسّن، إلا أنّ طعام السجن كثيرا ما يشعرك بالهوان شكلا ومضمونا. ولولا القفة لمات السجناء جوعا.. !
الدخان.. فاكهة السجن!
رغم مضاره الأكيدة (ومنها تلويث الفضاء وتسميمه)، فإنّ في الدخان للسجين منافع عديدة، منها تنفيس الضغط وتخفيف التوتر.. لأجل ذلك فإنّه يُعد أغلى هدية إن أردت أن تكسب ودّ أحدهم أو تتقي شرّه. وهو العملة الوحيدة المعتمدة في ذلك المكان لتبادل المنافع والخدمات..

السجن.. الوجه الآخر.. !
الإكتظاظ:

في حيز لا يتجاوز المائة (100) متر مربع تقريبا، وفي غرفة لا تستوعب سوى بضع وثلاثين سجينا، يقبع أكثر من مائة (100) نزيل، ثلثيهم يفترشون الأرض في عز الشتاء.. ولكم أن تتصوروا حجم الكارثة التي يسببها هذا الاكتظاظ بما يولّده من احتكاك ومشاكل وتلوّث واختناق لاسيما عندما تتلبّد سماء الغرفة بسحب التدخين.. !
صحبة اللئام:
تتنوع جرائم النزلاء وتهمهم داخل الغرفة الواحدة، إلا أنّ جلّها تتعلق بالسرقة والعنف والمخدرات والشيكات، وقليل منها بالنفقة والحوادث والإرهاب. وهذا الخلط العجيب غير المتناسق أو المنسجم يسبب أذى نفسيا بالغ الأثر لأنّه يجعلك مضطرا لصحبة اللئام، (أو أراذل القوم وفق تعبير أحدهم). وهو بحد ذاته أشد على بعض السجناء من السجن نفسه.. !
ضحايا ومذنبون:
المتأمل في حال السجناء، مهما كانت شناعة جرائرهم وأعمالهم، يدرك حق اليقين بأنهم ضحايا قبل أن يكونوا مذنبين.. فهم ضحايا الفقر والظلم والجهل والتهميش والإقصاء وانعدام موازين العدالة الاجتماعية والسياسات الخاطئة على كافة الأصعدة والمستويات..
نتائج عكسية:
نظريا جُعلت السجون للإصلاح والردع والحد من الجريمة لكنها في واقعنا التونسي الراهن تؤدي إلى نتائج عكسية لأسباب يطول شرحها منها التشريعات البالية ووضعية السجون وهشاشة النظام القضائي..
داعش والغبراء:
وللدواعش من السجن نصيب فقد كان فرصة للتعرف إليهم عن قرب.. شباب يافع في مقتبل العمر غُرّر بهم وزُجّ بهم في أتون الصراعات الدينية والسياسية ولعبة الأمم.. جلّهم من العائدين من بؤر التوتر في سوريا والعراق وبعضهم كان في ليبيا..
كانت لي معهم بعض الحوارات و”الدردشات” التي لم تسفر عن شيء سوى التأكد من سمتهم البارزة وعلامتهم المميزة، ألا وهي التعنت والتعصب وانسداد الأفق..
مصانع الارهاب:
تواترت الأخبار واستفاضت التقارير عن دور السجون في نشر الفكر التكفيري وتجنيد الارهابيين، وكيف أنّ تونس تتصدر قائمة الدول المصدرة للإرهابيين في العالم. لكن الفكرة، رغم وضوحها، ظلت مبهمة في كيفيتها مجملة في تفاصيلها.
لكننا إذا تأملنا حال السجون التونسية في اكتظاظها الشديد واختلاطها المريب وانعدام أي معنى للكرامة الانسانية داخل جدرانها وغياب معنى الاصلاح وإعادة التأهيل من قاموسها واستبداله بالعقاب والتشفي، والمعاملة التي يلقاها السجناء، لاسيما المتهمين منهم بالإرهاب والاحكام القاسية المسلطة عليهم وسهولة الزج بهم لمجرد المظنة.
فإذا تأملنا ذلك فإنّ الفكرة تتضح ويزول معها اللبس والغموض ونتأكد ما الذي يمكن أن يقدمه النموذج التونسي للعالم، بعد أن أضحت سجونه مصانع وأحياؤه، (لاسيما الشعبية منها)، مفارخ للتطرف والارهاب..!

غضب عارم (خزان الثورة):
أين انتقلت بين سجوننا ومحاكمنا ومخافر أمننا يقابلك شعور عميق بالضيم والظلم وانعدام العدالة، يستوي في ذلك الظالم والمظلوم، المتهم والمحكوم.. وتنتقل عدوى هذا الغضب والشعور بالظلم كالنار في الهشيم بدءا من أهل السجين (ومعظم التونسيين قد شربوا من هذه الكأس) وصولا الى كافة المجتمع ليصبح هذا الغضب وقودا لثورات لا يخمد أوارها وإن توارت تحت الرماد لكن إلى حين..
وخلال الثورات التونسية المتعاقبة برزت ظاهرة جديرة بالدراسة، ( وقد تجلت بقوة خلال ثورة الكرامة)، وهي انخراط المهمشين من أصحاب السوابق بقوة وفعالية إلى درجة أن نسبة كبيرة من أعداد الشهداء كانت من بينهم.. !

بين ” الحرقة” والاحتراق.. !
كثيرة هي الأحاديث والقصص التي يتناقلها السجناء فيما بينهم ملا للفراغ وإضاعة للوقت وتحديا للملل. ومن أطرف ما سمعت قصة القط الذي أجبره “البوليس” على الاعتراف بأنه أرنب.. !
ومثل ذلك كثير ممّا ينم على نقمة كبيرة على الأساليب التي يعتمدها رجال الأمن في تحري الجرائم والاكتفاء بما تيسر من أدلة بل وتلفيق بعضها توفيرا للوقت والجهد.. ! (هذا عدا عن التجاوزات والانتهاكات التي ترتكب باسم القانون وسيفه).
ثم يُعرض الأمر على النيابة التي تكتفي بما تيسر من القراءة نظرا لضيق الوقت وتراكم القضايا والدعاوى.. !وينتهي الامر بزج المتهم في السجن ورمي الكرة الى القضاء الذي كثيرا ما يحكم ببراءة المتهم لكن بعد أن تُداس كرامته ويُهضم حقه وتهتز ثقته ببلده ووطنه..
فلا تعجب حينها أن ترى خيرة شبابنا بين ” الحرقة” والاحتراق.. !
وفي الختام وقى الله تونس وأهلها من شر ما يُراد بهم.. ودمتم سالمين.
تونس في 7/9/2018
ع.ب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: