مقالات

عندما تصبح سياسة الدولة مسرحية تراجيدية

هكذا تولد من جديد تحت انظارنا أشياء وأحداث ذات نتائج مأساوية، وهكذا يعاد انتاج بشكل مسرحي، نظام حكم الطغاة والديكتاتوريين في بلادنا في لحظة يأمل فيها الشعب ويحلم بأن يتخلص من الارث الاستبدادي الماضي ووسائله الماكرة.

لقد عدنا إلى مشاهدة حلقات الاستبداد ب”التجزئة” وعبر مختلف الوسائل “المتحضرة” ( المجالس النيابية والقضائية والإعلامية) بالكلمات الرقيقة والصورالجاذبة. كل ذلك يتم من أجل اخفاء الحقائق وتقطيع أوصالها حتى لا يستطيع المواطن تجميع حقائقها، ومن أجل غسل الأدمغة في ظل حرية التعبير التي ينشدها. فكل الحلقات المسرحية التي قامت بها الدولة، ومازالت، على مدى أكثر من خمس سنوات كانت انعكاسا لسيطرة النظام السلطوي على حرية الفكر وعبر الوسائل الأكثر مكرا وخداعا وباعتماد منظومة  “الأرثوذوكسية” السياسية التي تؤمن بواحديّة الحاكم الفرد والناطق باسم الشعب والمعبر عن مصالحه. لقد هيمنت هذه الأرثوذوكسية على جميع المؤسسات، فآل المشهد التونسي إلى كتلة من المسارات المأزومة والفشل في تحقيق جميع الرهانات وفي كل المجالات.

في هذا السياق المأزوم، ومن أجل حماية أعداء الشعب والمتآمرين عليه، تكثفت حملات التهميش والحروب النفسية التي أصبحت حرفة سياسية تمتهنها السلطة منذ انطلاق انتفاضة “الشعب يريد”. فقد حل موضوع الإرهاب وشكّل العصا السحرية التي تستنجد بها كلما كانت غير قادرة على الدفاع عن سياساتها في التنمية وتلبية ما يريده الشعب. ولتحقيق التنويم لهذا الشعب، الذي لم يكف عن الاحتجاج والمطالبة بحقوقه في التنمية والعدالة الاجتماعية والتشغيل…الخ وعلى مدى سبع سنوات، تلتجئ السلطة في تونس لمواجهة هذا الحراك إلى أعقد المسائل وأكثرها غموضا والتباسا وتنتقي لها أجود المفاهيم وأعذب العبارات مثل : الدفاع عن “المسار الديمقراطي”، و”الشرعية الانتخابية” و”محاربة الإرهاب و”الفساد” ..الخ الملائمة لإخفاء الحقائق وتحويلها إلى “ثقب الأوزون” دون معرفة أسبابها ومن غير الممكن ملامستها أو الامساك بها أو معرفة كيفية مواجهتها.

لقد أبدعت الحكومات المتعاقبة في تونس منذ 2011 في تحويل مسارات انتفاضة الشعب وحرمان شبابنا من تحقيق أهدافها. واستخدمت في ذلك مختلف الوسائل الظاهرة منها والخفية، ومن خلال مختلف الوسائط  (les médiations)  وخاصة عبر وسائل الإعلام  واللغة ( الخطاب) أو الألفاظ المنتقاة التي حجبت بها عنه الرؤية الصافية والدقيقة للأحداث، وجعلته تائها بين ثناياها وتعرجاتها الملتبسة. فأصبح الواقع، أو يكاد، يتشكل وفق هذه اللعبة السيميائية ويُرتهن للغتها في بعدها “الدعائي” و”التعبوي” التي يتم اسقاطها على الواقع من أجل تحويل مساراته والتحكم فيها. فكانت اللغة المستخدمة أبرز “مسلك تنويمي” للشعب راهنت عليه الدولة لتنتج من خلاله تمثلات وحقائق جديدة في تونس ولبعثرة ( على المستوى المادي والرمزي) كل الأوراق التي تملكها القوى المناهضة ولتتمكن من تعزيز سيطرتها وغلبتها وضمان “شرعيتها” التي فقدتها منذ أن أخلت بوعودها.

لقد جمعت هذه السلطة كل أشكال القوة والاكراه من أجل تحقيق الغلبة والسيطرة سواء بـ”القوة القاسية ( العنف) أو بـ”القوة الناعمة”. وأوكلت جزءا من قوتها إلى شبكات الفساد وبعض “وكلاء” الشعب المنتخبين في مختلف المواقع والمؤسسات ولكل من يجيد التلاعب بأذهان الناس ومصائرهم.

فليس غريبا أن نرى كيف أن شبكات الفساد و”الإفساد” قد تحولت إلى هياكل مؤسساتية وتعاظمت ومدت أياديها إلى مختلف مفاصل مقامات الدولة وسيادتها من أجل إضعافهما. لذلك، بدأت خيبات الأمل لدى الشعب في إمكانية ضبطها أو الحد من جبروتها تتعاظم. وهذا التفاقم في حالات اليأس ضاعف بدوره حالات الاحباط الشعبي لصالح تنامي ثقافة الغلبة والقوة؛ فتحول المشهد المجتمعي إلى مزيج من الفوضى المعممة والإذلال ( المادي والمعنوي) والسيطرة بالغلبة ـ القاسية او الناعمةـ  حسب الحالات النزاعية أينما وليت بصره في كل الأماكن والمؤسسات.

لقد أصبحت السلطة في تونس من أكثر المسائل ابهاما وتشضيا منذ ان عادت إلى اعتماد آليات الهيمنة عبر الزبائنية والعصبية والمحسوبية، فتوزعت أو نسبت إلى منفذيها حسب الولاء والقرابة ـ الاجتماعية والسياسية ـ وليس حسب الكفاءة والفعالية. لذلك، من المحصلة أن تكثر في هذه السلطة الانحرافات دون أن تتم المحاسبة، وأن تتجاوز هياكل الدولة الرسمية طالما أنها عينت بمنطق الهرمية الولائية والمحسوبية، كما أن تحركها وهندسة برامجها تتم في  “فضاءاتها” الخاصة من خارج مؤسسات الدولة.

إنّ ارتهان السلطة في سياساتها إلى هذه السطوة “الناعمة” غشت عن الرأي العام التونسي الرؤية وجعلت الأمور والمشاكل عنده تختلط لأن الفاعلين فيها عديدون، وهم في تعددهم متنافسون ومتعاونون. لذلك، فقَدتْ الدولة سيادتها وكل نعوتها وفاعليتها في إدارة البلاد والمسك بمنزلتها العليا “المقدسة”. فالعمى السياسي لدى من يتقلدون السلطة تجلى أولا في انعدام التمييز بين تحقيق مصالحهم الذاتية والولائية، وبين مواجهة عمليات التدمير المتزايد لمؤسسات الدولة في ظل غياب استراتيجية وطنية في وضع برامجها وتجنب عشوائيتها.

في اطار هذا الخواء الشامل والتفكك السياسي والقيمي والثقافي المعمم في المجتمع، لم يبق أمام السلطة غير انتهاج سياسة “مَسْرَحة” الأحداث والقضايا بالأساطير والحكايات والقصص وتمريرها عبر الاستبعاد والقهر والاستعباد بالأغلبية الاجتماعية والسياسية ( قانون المالية والاقتراض وقانون الطوارئ وغيرها) من جهة، وعبر إدارة “العنف الرّمزي” وتقنينه من جهة ثانية.

بعبارة أخرى، ونحن نعيش فى ظل مناخ، وطني وعربي، ملتبس، تصدمنا فيه “سياسة” حكومتنا المرتجلة، ويشدنا فيه “المقدس” والثابت؛ أي المقدس بالمعنى الشامل، وتتجه أنظارنا نحو أنماط جديدة نتصور فيها الحلول الأمثل لأزمتنا المستحكمة. أليس من الواجب علينا جميعا أن نكشف للرأي العام محاولات تهميش القضايا الرئيسية وحلولها وأن نبين ما تريد السلطة  اخفاءه، ومن ثم نكشف هذه “المَسْرحية الخبيثة” التى جعلت المجتمع يدور حول نفسه دورة كاملة، فى كل مرّة، ليعود أدراجه إلى نقطة البداية.

فالمهمة الملحة اليوم، تتمثل في التخلص من هذه الانهيارات لمؤسسات الدولة وغياب دورها في إدارة الشأن العام. وإذا لم تتمكن مؤسسات المجتمع المدني والمعارضة الوطنية من أن تحد من سياسة التفكيك والتفويت فيها، ومن أن تشكل سلطة مضادة حقيقية متماسكة، فإن التهميش والاقصاء بمختلف أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية سوف يزداد ويتسع أكثر. ويجب أن يركز الفاعلون على الدفاع عن مقام مؤسسات الدولة ووظيفتها في المجتمع وأن ينطلق التغيير من “المفاهيم” و”العناوين” كما يشمل “الأساليب” و”المعايير” حتى لا تبقى انتفاضة “الشعب يريد” مجرد “ثورة للآلات الصمّاء” دون أن تغيّر ظروف المعركة وتقبل الهزيمة.

 د. مصباح الشيباني

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: